، فعلم إسماعيل أن ذلك الأمر في المنام كان أمرا إلهيا واجب الإنفاذ .
ومن أدلة ذلك أيضا قوله تعالى لإبراهيم :
. . . يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
[ الصافات : 104 - 105 ] . فكان الوعد بالجزاء للمحسنين صادرا عنه تعالى وعدا على الوفاء والتصديق لما كان من تصديقهم ومدحا لامتثال إبراهيم للرؤيا الموحاة بأنه إحسان .
وقد ثبتت الرؤيا النبوية الصادقة لنبينا صلّى اللَّه عليه وسلّم في حالات عديدة ذكرها القرآن ، وأشهر تلك الرؤى ما كان من رؤياه في فتح مكة ودخول المسلمين إليها ، قال تعالى :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ . .
[ الفتح : 27 ] . فهذه الرؤيا جعلها تعالى مقياسا لموقف مهم من مصاديق نبوته صلّى اللَّه عليه وسلّم ، إذ جعل تصديقها تثبيتا وترسيخا لمبادئ هذه النبوة ، قال تعالى :
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ
[ الإسراء : 60 ] . فقد قيل : إن المنافقين شككوا في صدق الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم في رؤياه التي أعلنها ، وذلك بعد أن عادوا دون أن يحجّوا بعد صلح الحديبية سنة 6 ه / 628 م ، فعن قتادة . . . فلما نزل صلّى اللَّه عليه وسلّم الحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك فقالوا : أين رؤياه ؟ فنزل قوله تعالى :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا . . .
الآية « 1 » .
وفي هذه الآية دلالة أخرى على أن الرؤيا النبوية جزء من الوحي والنبوة للرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فنص هذه الرؤيا كان أيضا نصا ضمن الوحي المنزّل عليه صلّى اللَّه عليه وسلّم فحكى في القرآن الكريم ما كان في الرؤيا في قوله تعالى :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
الآية .
ويذهب بعض المفسرين إلى أن الأحاديث الواردة بالقطع على صحة رؤيا الأنبياء عليهم السلام لا تكفي وحدها للقطع بأنها من الوحي . فالشريف المرتضى والشيخ الطوسي يشترطان لذلك أن تكون الرؤيا مسبوقة بوحي في اليقظة بالأمر باتباع ما سيرد في الرؤيا ، واستدلا على ذلك بأنه لو لم يأمره في اليقظة بواسطة الملك مثلا لما جاز لإبراهيم عليه السلام أن يعمل بما كان في الرؤيا التي رآها « 2 » .
هامش
( 1 ) الطبري : جامع البيان ( 26 / 68 ) .
( 2 ) انظر أمالي المرتضى ( 2 / 394 ) ، والتبيان ( 8 / 516 ) .