وقد أيد الطوسي والفخر الرازي ما قاله الجبائي ومن قبله في استبعاد أن يكون حكم سليمان عليه السلام اجتهادا « 1 » ، واستدل الطوسي على صحة ذلك بأن الأنبياء عليهم السلام ( يوحى إليهم ولهم طريق إلى العلم بالحكم ، فكيف يجوز أن يعملوا بالظن ) « 1 » وهو ما يحتمل من الاجتهاد .
ويذهب الراغب الأصفهاني إلى ما يؤكد كون ذلك التفهيم وحيا ، إذ يرى فيه وجوها محتملة من التفسير : فإما أنه تعالى جعل له من فضل قوة الفهم ما أدرك به ذلك ، وإما بأن ألقى ذلك في روعه [ وهو شكل من أشكال الوحي دون واسطة ] وإما بأن أوحى إليه وخصه به « 3 » .
وإجمال القول في هذا التفهيم أنه لا يخرج عن نطاق الوحي الإلهي وذلك بدليلين :
1 - أنه لا طريق لأن يكون ذلك اجتهادا من سليمان ناسخا لحكم داود ، لأنه لا طريق للاجتهاد والظن إلى نسخ الوحي الإلهي ، إذ لا ينسخ الوحي إلا بمثله .
2 - أنه تعالى أكد أن حكم سليمان مثلما هو حكم داود عليه السلام ، كلاهما واقع ضمن الحكم والعلم الإلهيين ، فهما بوحي نبوي لقوله تعالى :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
[ الأنبياء : 79 ] .
الصورة الثانية للوحي : التكليم من وراء حجاب .
كانت هذه الصورة من صور تكليمه تعالى للبشر مثارا للكثير من الجدل والخلاف بين العلماء والمفسرين لتضمنها فيما يفسره بعضهم من ظاهرها إشارات إلى التجسيم والحلول والرؤية . . . إلخ .
ولا مجال في هذا البحث للخوض في تلك الاختلافات والمذاهب ، وما يهمنا هنا هو بيان خصوصية هذا النوع من الوحي ومميزاته التي يفترق بها عن سائر صور الوحي الأخرى ، لذلك اقتصر البحث على ثلاثة محاور هي :
أولا - معنى التكليم والحجاب .
ثانيا - المخصوصون بهذا التكليم ( المكلّمون ) .
هامش
( 1 ) انظر التبيان ( 7 / 237 ) ، مفاتيح الغيب ( 22 / 198 ) .
( 3 ) المفردات ( ص 286 ) .