تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنار في علوم القرآن — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
غير لغة العرب شيء لتوهّم متوهّم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان مثله ، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها « 1 » . هذه أدلة الإمام الشافعي ومن معه ، ويجدر بالذكر أن هذا الفريق وإن كان يقول : إن جميع ألفاظ القرآن عربية إلا أنه لا ينكر موافقة لسان العرب للسان العجم كما يقول الشافعي ، ولا ينكر إذا كان اللفظ قيل تعلما أو نطق به موضوعا ، أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلا من لسان العرب ، كما يتفق القليل من ألسنة الأعاجم المتباينة في أكثر كلامها مع تنائي ديارها ، واختلاف لسانها ، وبعد الأواصر بينها وبين من وافقت بعض لسانه « 2 » . ويمثل أبو عبيد على ذلك بالمثال التطبيقي فيقول : « وقد يوافق اللفظ اللفظ ويفارقه ومعناهما واحد ، أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو غيرها ، فمن ذلك الإستبرق بالعربية ، وهو الغليظ من الديباج ، وهو استبره بالفارسية » ثم ختم أبو عبيد كلامه بقوله : « من زعم أن في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم القول » « 3 » . يقول أبو بكر الباقلاني : القرآن عربي لا عجمة فيه ، فكل كلمة في القرآن استعملها أهل لغة أخرى فيكون أصلها عربيا إنما غيّرها غيرهم تغييرا ما ، كما غيّر العبرانيون فقالوا : للإله ، لاهوت ، وللناسك : ناسوت . أما الفريق الثاني فهو فريق المتساهلين ، الذين حكموا بأن القرآن شامل لجميع لغات العالم في زمنهم ، استنادا لقوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] فالآية حسب زعمهم شاملة وعامّة ، لذا قالوا : إن القرآن فيه من كلّ لهجة عربية بل باللغات الشائعة في زمن نزوله . . . كالفارسية والرومية والعبرية ، لذا فقد تساهلوا وتوسعوا في الألفاظ الوافدة التي استعملها القرآن الكريم ظنّا منهم أنها مزية من مزاياه في عدم التفريط بشموليته لسائر اللهجات واللغات . قال الثعلبي : إنه ليس لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن .
هامش
( 1 ) انظر الصاحبي لابن فارس ص 46 ، والإتقان 178 . ( 2 ) الرسالة للإمام الشافعي ص 44 - 45 . ( 3 ) الصاحبي ص 43 - 44 .
المنار في علوم القرآن — صفحة 25 | محمد علي الحسن