تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
الإخبار بهذا الغيب الذي سيقع ، وتفصيل الأمر فيه من المبهم الذي لا يكشف عنه إلا الواقع الذي يأتي في حينه . فهذه أمثلة لأصناف المبهم الذي وقع في القرآن ، وإذا تأملت فيها علمت أن منها ما أمكن تفسيره وكشفه عن طريق الوقوف على تفسير السنّة له ، ومنها ما ظل مبهما مكنونا في غيب اللّه عزّ وجلّ ، لا يكشفه إلا الواقع الذي أخبرت عنه الآيات . بقي أن تعلم الحكمة من وجود مثل هذه المبهمات في كتاب اللّه عزّ وجلّ . فأما الإبهام المتعلق بفواتح بعض السور ، فقد علمت مما ذكرناه ، أن مذهب جمهور العلماء والباحثين أن لهذه الفواتح معنى يمكن الوصول إليه بالنظر والبحث ، فالإبهام فيها إنما هو بمعنى الغموض والخفاء اللذين يمكن إزالتهما والوصول إلى ما وراءهما ، وليس بمعنى انغلاق اللفظ على المعنى واستحالة وصول القارئ أو المتدبر إلى المقصود . غير أنك قد تسأل : ففيم هذا الغموض والخفاء وإنما هو كتاب أنزل للقراءة والفهم ؟ . فالجواب : أن القرآن - كما يقول ابن قتيبة - إنما نزل بألفاظ العرب ومعانيها ومذاهبها في الإيجاز والاختصار ، والإطالة ، والتوكيد ، والإشارة إلى الشيء ، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللقن ( سريع الفهم ) وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما خفي . ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر « 1 » . ولا شك إن من فوائد ما تلبّست به هذه الفواتح من الإبهام ، ما تراه من الأبحاث المختلفة الجليلة ، التي أقامها العلماء على هذه الفواتح سواء منها ما
هامش
( 1 ) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة : 62 .
من روايع القرآن — صفحة 93 | محمد سعيد رمضان البوطي