ولأصحاب هذا المذهب الثاني تأويلات وتحليلات مختلفة ، لا نستبعد أن تكون كلها مقصودة كما قال ابن فارس وغيره « 1 » ، إذ هو الشأن الغالب على معظم ألفاظ القرآن : تحتمل اللفظة معاني مختلفة كلها يصلح أن يكون مرادا ، إذ كلها مصداق للحقيقة التي تعبّر عنها الآية . وهذا من أبرز مظاهر الإعجاز في القرآن ، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه .
غير أنّا نذكر من هذه التأويلات أقربها إلى النظر وأسرعها إلى الذهن وأكثرها شيعة وأنصارا ، فقد ذهب قطرب والفرّاء والمبرّد وعامّة علماء العربية وجمع عظيم من المحققين إلى أن هذه الأحرف المقطعة إنما افتتحت بها السور ، لتدل على أن القرآن ليس إلّا كتابا ألّف من هذه الأحرف الهجائية : أ . ب .
ت . ث . . إلخ ، هي تلك التي تبنون كلامكم وأشعاركم منها ، ومع ذلك فلن تستطيعوا أن تؤلفوا من هذه الأحرف كلاما مثله « 2 » . ويدلّ على سلامة هذا التفسير ووضوحه أن الكلمة التي تلي هذه الفواتح تحمل معنى الكتاب وتقع في معظم الأحيان موقع الخبر منها كقوله تعالى في سورة البقرة :
ألم ، ذلِكَ الْكِتابُ
وفي سورة الأعراف :
المص ، كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
وفي سورة يونس :
الر ، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
وفي سورة هود :
الر ، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
وفي سورة النمل :
طس ، تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ
.
ولا يبعد أن تكون هذه الأحرف المقطعة تحمل إلى جانب هذه الدلالة أسرارا معينة ، وأن تكون قد سيقت مساق القسم بها ، وأن يكون موقعها في صدر السورة موقع التنبيه للأسماع والأذهان إلى الكلام الذي يعقبها .
النوع الثاني : جمل وألفاظ
، هي من حيث تركيبها وظاهر دلالتها أمر واضح ومعلوم ؛ ولكن فيها إبهاما من حيث الزمن المتعلق بها ، أو من حيث تعيين أسماء المشار إليهم فيها ، أو من حيث نكارة وغرابة المتحدّث عنه فيها ،
هامش
( 1 ) انظر البرهان : 1 - 180 .
( 2 ) انظر تفسير القرطبي : 1 - 67 ، وتفسير الفخر الرازي : 1 - 230 ، والجامع لأحكام القرآن : 1 .
105 ، والبرهان . 1 - 185 .