تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
ثم قال ابن قتيبة : [ وبعد فإنّا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا : هذا لا يعلمه إلا اللّه ، بل أمرّوه كله على التفسير ، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور مثل : الر ، وحم ، وطه ، وأشباه ذلك . فإن قال قائل : كيف يجوز في اللغة أن يعلمه الراسخون في العلم واللّه تعالى يقول :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
وأنت إذا أشركت الراسخين في العم انقطعوا عن
يَقُولُونَ
وليس هاهنا واو نسق توجب للراسخين فعلين ، وهذا مذهب كثير من النحويين في هذه الآية ، ومن جهته غلط قوم من المتأولين - قلنا له : إن
يَقُولُونَ
هاهنا بمعنى الحال ، كأنه قال : والراسخون في العلم قائلين : آمنّا به . ومثله في الكلام : لا يأتيك إلا عبد اللّه وزيد يقول : أنا مسرور بزيارتك ، يريد لا يأتيك إلا عبد اللّه وزيد قائلا أنا مسرور بزيارتك ] « 1 » . وأما الإبهام في النوع الثاني : وهو الجمل المفهومة من حيث ظاهر دلالتها وتركيبها ، ولكن فيها إبهاما من حيث تعيين الزمن أو تعيين الأسماء أو نكارة المتحدّث عنه وغرابته - فمردّ ذلك إلى أحد أسباب ثلاثة : السبب الأول : عدم تعلق أي غرض بتفصيله والكشف عنه كالذي يكون في مساق ذكر بعض القصص والأحداث ، من إبهام أسماء الأشخاص وعدم تعيين الأمكنة أو الأزمنة المتعلقة بها . فهذه القصص والأحداث إنما تساق للاتعاظ بها وأخذ العبرة منها . وتحقيق ذلك يتوقف على عرض الجانب الذي يحمل معنى العظة والعبرة ، دون غيره ، مما يشتت الذهن عن المطلوب ويبعد المتأمل عن القصد . ولذلك لم يتعلق الغرض القرآني بالكشف عن اسم ولدي آدم وهويتهما في الآية المذكورة ، ومن أجل ذلك أيضا يقوم أسلوب القصة في القرآن على توجيه القارئ إلى مكان العبرة منها وتحويل ذهنه عن اللحاق بجزئياتها وهوامشها التاريخية المجردة . وسنفصّل القول في ذلك إن شاء اللّه عند الحديث عن القصة في القرآن .
هامش
( 1 ) تأويل مشكل القرآن : 73 و 74 .