مرّت بها الدعوة الإسلامية . وبهذا تستطيع أن تميز بين السور المكيّة والمدنية من غير الرجوع إلى روايات العلماء والمفسرين في ذلك . فحسبك أن تقرأ سورة البقرة وتطّلع على ما تجمع فيها من أحكام الصيام والحج والوصية والقصاص والنكاح والرضاع والطلاق وغيرها لتعلم أنها سور مدنية . وحسبك أن تقرأ سورة مثل سورة ق وتقف على ما فيها من الحجاج والنقاش مع المشركين وما فيها من الأدلة على وجود اللّه ، وما ينبعث من جرسها وفواصلها وإيقاع آياتها من معاني الشدة والتهديد والجبروت ، لتعلم أنها سورة مكية .
الفائدة من معرفة هذا العلم :
تتوقف فوائد علمية كثيرة على معرفة المكّي والمدني من القرآن .
فمن أهمها معرفة ما قد يوجد في القرآن من ناسخ ومنسوخ ، ليصار إلى الأخذ بالناسخ واطراح المنسوخ ( في مجال الأحكام والتشريع ) وإنما تتوقف معرفة ذلك على معرفة تاريخ نزول الآيات .
واعلم أن وجود ( الناسخ والمنسوخ ) في القرآن ، اقتضته ضرورة أخذ الناس بالتدرج في الأحكام الشرعية ؛ كالآيات التي نزلت متدرجة في تحريم الخمر ، وكالآيات التي نزلت في عقوبة الزنى .
وليس معنى نسخ الحكم في آيات القرآن أن قرآنيتها قد سقطت بذلك ، بل هي تظل قرآنا يتلى ويتعبد به وهي من كلام اللّه عزّ وجلّ ، ولكن يبطل العمل بها لمكان الآية التي نسختها .
وفائدة ذلك لنا نحن ، التبصّر بالمراحل التدريجية التي سار فيها التشريع والاطّلاع على الطريقة الحكيمة المثلى التي أخذ اللّه بها عباده فيما سنّ لهم من أحكام .
ثم إن ( الناسخ والمنسوخ ) علم خاص من علوم القرآن ، بحث وكتب فيه علماء التشريع . ولكنّا نكتفي منه هنا بالذي أوضحناه لك ، والزيادة عليه شيء يتعلق بالفقه والتشريع أكثر من تعلقه بالعربية وآدابها .