ولم تكن هذه الظاهرة وحدها ثمرة ظهور الاختصاصات العلمية ، بل ثمة ثمرة أخرى . فلقد أخذت كتب التفسير تتجه فيما بعد - من حيث العناية والاهتمام - وجهة اختصاص المؤلف .
فقد ألّف علماء العربية في تفسير القرآن ، ليخدموا بذلك فنهم ، فكان عملهم يتركز على إبراز بلاغته العربية وإعجازه اللغوي ، من ذلك تفسير أبي حيّان الأندلسي وتفسير الكشاف للزمخشري وتفسير أبي السعود .
وألّف علماء الفقه فيه أيضا ؛ ليستجلوا منه أحكام الحلال والحرام ، فكان عملهم منصبّا منه على هذا الجانب أكثر من غيره ، كالجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( ت : 671 ) وأحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي ( ت : 543 ) .
وألّف فيه علماء التوحيد والكلام ، ليستخرجوا منه دلائل التوحيد وفروعه ومتعلقاته ، فلم يعنوا منه العناية التامة إلا بهذا الجانب دفاعا عن العقيدة الإسلامية وتجلية لأمرها ، كالإمام فخر الدين الرازي ( ت : 606 ) في تفسيره :
مفاتيح الغيب .
فهذه خلاصة كافية عن نشأة علم التفسير وتطوره .
مذاهبه وشروطه :
اتخذت مناهج المفسرين في تفسير كلام اللّه عزّ وجلّ أحد مذهبين :
الأول : التزام الوارد في تفسير الآية عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو عن الصحابة أو التابعين ، دون سوق أي زيادة على ذلك ، اللهمّ إلا أن تكون شرحا لغويا لكلمة أو كشفا عن إعراب جملة أو نحو ذلك وقد أطلق على هذا المسلك فيما بعد اسم « التفسير بالمأثور » .
الثاني : عدم التزام الاقتصار على ذلك ، بأن يتجاوز المفسر حدود الوارد والمأثور في تفسير الآية ، إلى استنباطاته الخاصة من دلائل الصيغة أو قواعد العلوم ، إذا كان اللفظ قابلا لحمل المعنى المستنبط ، وقد تكون هذه المعاني المستنبطة مباحث من علوم وفنون مختلفة غير التي تدل عليها الآية من قريب .