تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا . إنها تصوّر لك ما يفعله المتعاظم في سيره إذ يضرب بقدمه الأرض كأنه يفاخرها ويشعرها بشأنه ، ويرفع رأسه متطاولا كأنما يريد أن يطاول بهامته ذرى الجبال مع أنه هو هو ، ذلك المخلوق الضعيف الذي لن يخرق أرضا ولن يطاول جبلا .
وبعد أن انتهى الحديث عن تفصيل هذه المبادئ الهامة في حياة الإنسان ، عاد الخطاب الإلهي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مشيرا إلى كل هذه المبادئ قائلا : ذلك ما أوحى إليك ربك من الحكمة ، أي من معرفة الحق ؛ فالحكمة ، هي اكتشاف الحق الذي قد يخفى على غير ذي البصيرة . وكان الخطاب من قبل ذلك متجها إلى الإنسان عموما ، فمرة يخاطبه بصيغة الجماعة كما في قوله :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
، ومرة يخاطب فيه الفرد المتكرر كما في قوله :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
. .
ثم يختم هذه المبادئ بما قد بدأ به ، وهو مبدأ الإيمان باللّه عزّ وجلّ ووحدانيته قائلا : ولا تجعل مع اللّه إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ، إشعارا بأن ملاك هذه المبادئ كلها وضمان تطبيقها الوحيد هو الإيمان باللّه عزّ وجلّ إيمانا صادقا . فما لم يوجد الإيمان به فإن هذه المبادئ لن تنفذ كما ينبغي مهما آمن الناس بأنها حق لا مرية فيه . إذ إن مجرد الإيمان بالفضيلة لا يكفي دافعا إلى التمسك بها وكم في الناس من يؤمن بأن الحق حق ومع ذلك فهو لا يقوى على تنفيذه ، ويؤمن بأن الباطل باطل ومع ذلك لا يستطيع التخلّص من ظلّه :
واللّه سبحانه أعلم .
* * *