تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
* ومع الحديث عن الأمانة وضرورة الوفاء بالعهد يوصى اللّه عزّ وجلّ بمبدإ تاسع ، هو من أهم ما يتعلق بالأمانة والعهد فيقول :
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
أي أتموا الكيل ولا تخسروه ، حينما تريدون أن تكيلوا للمشترين ، فالخطاب هنا للبائعين ، إذ هم الذين يكيلون ، أما المشتري فإنما هو يكتال ، أي يطلب أن يكال له . ومن أجل ذلك قيّد الأمر بالوفاء عند إرادة الكيل ، إذ الكائل هو الذي تراوده نفسه بخسران الكيل . ثم أمر بنحو ذلك عند التعامل بالوزن ، ولما كانت طريقة الوزن مختلفة عن طريقة الكيل خالف في التعبير عن الوفاء بكلّ منهما . وعلّل هذا الأمر بأنه أفضل للبائع ، وبأنه أحسن عاقبة . وإنما قال ذلك ليزيل الوهم العالق بأذهان البعض من أن الظاهر المحسوس أن التلاعب بالكيل والوزن خير للبائع إذ هو يزيد في دخله وربحه . فكأنه يقول : إنه وإن خيّل إليكم ذلك في أول الأمر فإن العاقبة تأتي بعكس ما تتخيلون ، إذ كل ذلك سرعان ما يتبدد وينمحق ، عندما يعلم شأن هذا المحتال وعادته بين الناس . * ويأتي المبدأ العاشر نهيا وتحذيرا عن اتّباع أو تبنّي ما لم تعلم حقيقته من الأمور . وهو مبدأ ذو علاقة كبرى بتربية الفرد والمجتمع ، وإليه يعود الأمر في معالجة معظم المشاكل والقضايا التي يشكو منها الباحثون والمفكرون في كل عهد وظرف . ولكن انظر إلى الأسلوب الذي أخرج به البيان الإلهي هذا المعنى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
وتقف بمعنى تتبع من قفا أثره أي اتّبعه . فهو يقول : ( لا تكن في اتباعك لما لا تعلم حقيقته من عقيدة أو قول أو فعل مثل من يتبع سبيلا مجهولا لا يدري إلى م سيوصله . فهو يشبّه المجهول الذي يسارع فيه الإنسان دون علم حقيقي به ، بالطريق التائهة التي لا يدري نهايتها إذ يقتحمها السالك ظانّا بمجرد وهمه أنه سيصل منه إلى بعض ما يبتغيه . ثم يعلّل هذا النهي الخطير ، بأن كلّا من السمع والبصر والعقل إنما هو أمانة استودعتها أيّها الإنسان لتستعملها في درك الأمور والتحقّق منها قبل