تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
* ويجرّ الحديث عن الأولاد وحرمة قتلهم إلى الحديث عن أهم وأخطر مبدأ من المبادئ المتعلقة بالأسرة ، وهو المبدأ السادس في سلسلة هذه المبادئ الإنسانية فيقول اللّه عزّ وجلّ :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
والمنهى عنه في الآية إنما هو الزنى ، ولكن الآية لا تنهي عن مباشرة ارتكابه فقط كما في الآيات السابقة ، وإنما هي تنهى هنا - كما ترى - عن مجرد قربه والدنو إليه ؛ ففي الآية تقرير واضح للنهي عن مباشرة أسبابه وذرائعه ومقدماته ، كاختلاط وخلوة وتبرج ونحوه ، ذلك لأن القرب ليس إلا كناية عن ممارسة هذه الدوافع والأسباب . وفي الآية أيضا تقرير لخطورة هذه الفاحشة وأن عدم مفارقتها لا يكون إلا بالتباعد عن أسبابها وذرائعها القريبة والبعيدة ، أما بعد اقتحام الأسباب والذرائع فإن الدوافع البشرية تجمح بصاحبها نحو الشر الذي تعرّض له وهيهات أن يقوى عندئذ على كبحها والتغلّب عليها . و « فاحشة » في الآية صفة لمحذوف أي كان فعلة فاحشة ، وساء سبيلا ، أي بئس طريقا طريقه ، لما فيه من الخطر على الأسرة والمجتمع ولما فيه من مختلف الشرور الأخرى . * ومع النهي عن الزنى ، تحين المناسبة للنهي عن القتل ، فهما جريمتان متقاربتان ومتشابهتان في الخطورة والضرر على المجتمع ، وكلّ منهما يشبه الآخر من بعض النواحي ، وهو المبدأ السابع فيما توصي به هذه الآيات :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
ولا تقتلوا النفس أيّ نفس كانت ، ما دامت أنها نفس أي روح . . . إلا أن يكون ذلك لحق يستوجبه ويقتضيه . وهكذا تلك صياغة الآية على أن الأصل في كل روح أن تكون مصونة عن الإزهاق ، وما يخالف هذا الأصل إنما يأتي لعارض .
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
من قتل بدون مسوغ من الحق المذكور فقد جعلنا لمستحق دمه تسلّطا على القاتل في الإرادة والحكم ، فإن شاء طالب بالقصاص وإن شاء بالدّية وإن شاء عفا .
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ، إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً
عبّر بهذا النهي عن كل ما قد يقوم به وليّ المقتول من مظاهر الانتقام المختلفة ، بأن يقتل في مكان الواحد