تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
وبالغ في النهي عن هذه العادة بقوله مخبرا : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا . أي كانوا قرناء للشياطين ، وفيه إلماح إلى أن عادة تبذير المال وتبديده إنما تتمكن بتغلب الوساوس الشيطانية لا أكثر ، إذ ليس من ورائه أي غاية أن مصلحة يحتاجها الإنسان . * ولكن أرأيت لو لم يكن الإنسان موسرا بالمال الذي يعطي منه حق القرابة والمحتاجين فأعرض عنهم عجزا عن العون لا استكبارا عن أداء الحق ؟ . . . لقد عالج البيان الإلهي العظيم هذه الحالة بأسلوب بالغ الروعة إذ قال :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها ، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
: أي مهما اضطررت إلى الإعراض عنهم بسبب الفقر والعوز اللذين تتأمل بهما فرج اللّه ورحمته ، فقل لهم في مكان ذلك كلاما سهلا ليّنا وعدهم وعدا جميلا ، فالميسور هنا مفعول بمعنى الفاعل ، أي يسر ضرّهم عليهم بكلامك الجميل لهم . ولما أمر اللّه عزّ وجلّ في الآيات التي ذكرناها بالوفاء بحق الأقارب والمحتاجين ونهى عن تبديد المال فيما لا حاجة إليه ، حتى لا يفوت بذلك أداء هذا الحق والقيام به ، ناسب أن ينتقل الحديث إلى تقرير مبدأ جديد يتعلق بتنظيم الإنفاق ويضع قانونا عادلا له . والمبدأ الإلهي الذي يخاطب به كافة العباد في ذلك ، هو أن يكون الإنفاق قائما على العدل بين التقتير والبخل المعيب من جانب ، والإسراف والتبذير المقيت من جانب آخر . ولكن الأسلوب القرآني لا يعبّر عن هذا المعنى بهذه الطريقة المألوفة ، وإنما يخرجه في صورة محسوسة متخيلة فيقول : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا . فقد صوّر البخل في مظهر اليد المربوطة إلى العنق فهي لا تكاد تنفك عنه ، ومعلوم أن اليد أبعد ما تكون عن الآخرين حينما تكون مقيدة بهذا الشكل الغريب ، وصوّر الإسراف بتلك اليد التي تظل ممتدة ومبسوطة لا تكاد ترجع إلى صاحبها أو تنقبض على شيء ، ثم هدد من يلتزم بذلك التفريط أو هذا الإفراط بأن سيأتيه يوم يعود من دأبه هذا ليقعد منقطعا عن أسباب العيش والرزق ، يتلقى اللوم من اللّه والناس على ما أفرط أو فرّط .