تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨

تعريف عام بالآيات :

تعرض هذه الآيات لبيان أحد عشر مبدأ من أهم المبادئ الإنسانية العامة . مبتدأة ومختتمة بمبدإ التوحيد والعبودية للّه عزّ وجلّ . وتأتي هذه الآيات بعد آيات سابقة تتحدث عن أهمية القرآن في إصلاح حياة الإنسان ودلالته على النهج القويم ، وعن حدود المسئوليات ونظامها وقيمة كلّ من الحياتين الدنيوية والأخروية . فهي تأتي بعد منبهات وحوافز تهيئ كلّا من النفس والذهن لقبول ما تتضمنه هذه الآيات من مبادئ الإنسانية بقبول حسن .

شرح الآيات :

* وقضى ربك ألّا تعبدوا إلا إياه . أي أمر ربك ألّا تعبدوا إلا إيّاه ، وقد استهلّ الخطاب بجملة إخبارية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي : وقضى ربك . ثم التفت بالخطاب إلى الناس حينما تحول من الإخبار إلى الإنشاء ، فقال : ألّا تعبدوا إلا إياه . وذلك لأن الجملة الأولى حكاية فناسب أن يتجه الخطاب فيها إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وأما الثانية فأمر وتوجيه ، فناسب أن يتجه الخطاب فيها إلى عامّة الذين يتجه هذا الأمر إليهم . فهذا أول مبدأ من المبادئ الأحد عشر ، وهو أخطرها وأهمها . ثم أتبعه بالمبدأ الثاني قائلا : وبالوالدين إحسانا ، أي وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا ، تقول . أحسنت به وأحسنت إليه . وإنما جعل رتبة برّ الوالدين إثر رتبة توحيد اللّه وعبادته ، لأن اللّه هو المسبّب الحقيقي لوجود الإنسان وعيشه وارتزاقه ، والوالدان هم السبب الجعلي والظاهري لكلّ من الوجود والعيش ، فلئن كان المقتضي لعبادة اللّه أنه الخالق والمنعم الحقيقي ، فإن المقتضي لبرّ الوالدين ما قضت به حكمة اللّه من أن يكون وجود الإنسان بهما ونشأته عن طريق رعايتهما . ثم شرح المقصود بالإحسان فقال : إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما . وأصل الجملة : إن يبلغ
من روايع القرآن — صفحة 258 | محمد سعيد رمضان البوطي