تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) : كشف للحالة التي قد يتساءل عنها الفكر والذهن : أليس ثمة من ملجأ أو شافع أو معين ؟ لا . . . ليس للظالمين أي ملاذ ، إنه الكرب الذي لا مفر منه ولا مخلّص ، فليس ثمة قريب شفيق ، ولا شفيع يطاع قوله أو ينظر في شفاعته . ونفي وجود القريب الشفيق إنما هو تصوير لعدم اهتمام المرء إذ ذاك إلا بنفسه . فالأقارب لا يزالون أقارب لبعضهم إذ ذاك ولكن أحدا منهم لا يتعرف على الآخر ، فكأن الأنساب قد قطعت مما بينهم حينئذ فلا وجود لها كما يقول اللّه عزّ وجلّ :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
. *
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
أسلوب آخر في التعبير عن مجازاة اللّه ومحاسبته للناس إذ ذاك ، وفي التعبير عن عدم تمكن الكافرين والجاحدين يومئذ من المكر أو الكذب أو إخفاء الحقائق . إن اللّه عزّ وجلّ مطّلع على كل ما قد يجترحه أو يكسبه الإنسان سواء كان ذلك بجوارحه الظاهرة أو بنفسه ووساوسه الخفية . وتأمل كيف عبّر البيان القرآني عن النوع الأول ب : خائنة الأعين وعن الثاني ب : ما تخفي الصدور . لقد كنى عن أعمال الجوارح بأدق مثال لها ، وهو النظرة المريبة بالعين وعبّر عنها بخائنة الأعين ، أي الأعين الخائنة ، على أن الخائنة اسم فاعل ، أو بمعنى : خيانة الأعين على أنها مصدر كالعافية والعاقبة ، كأن العين تخون صاحبها فتنم عمّا أضمر في نفسه ، أو تخون الحق والأمانة إذ تغمز وتسترق النظرة المحرمة . وكنى عن أعمال القلوب ووساوسها بما تخفي الصدور ؛ والصدور هي مستكنّ الأسرار والخفيات . فكيف يستطيع الظالمون مع ذلك إخفاء الحقائق ؛ أو الكذب على الواقع ؟ ! أم كيف يعجز الخالق جلّ جلاله عن محاسبتهم على كل ما اجترحوه من صغير وكبير ؟ ! * وتختم هذه الآيات الوصفية المتضمنة لطرف من أهوال يوم القيامة بتقرير الحقيقة التي يريد اللّه عزّ وجلّ من عباده أن ينتبهوا إليها قبل فوات