« ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى :
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ
« 1 » لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عين المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها وتصل مقطوعها وتظهر مستورها ، فتقول : إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضا ، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم ، وآذنهم بالحرب ، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء » .
« وكذلك قوله تعالى :
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
« 2 » إن أردت أن تنقله بلفظه لم يفهمه المنقول إليه ، فإن قلت أنمناهم سنين عددا ، لكنت مترجما للمعنى دون اللفظ » .
« وكذلك قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً
« 3 » إن ترجمته بمثل لفظه استغلق ، وإن قلت : لم يتغافلوا ، أدّيت المعنى بلفظ آخر » « 4 » .
فإذا أدركت أن ترجمة القرآن غير ممكنة بمعناها الصحيح ، علمت الجواب عن الناحيتين الثانية والثالثة لهذه المسألة أيضا . ذلك أن الشيء الذي لا يستطاع إنجازه يعتبر باطلا من حيث وجوده . ويعتبر محرّما من حيث ممارسته لما فيه من الفساد والإفساد . وإذا كان الأمر فيه كذلك فلا شك أنه لا يصحّ التعبّد بالترجمة ولا تصحّ الصلاة بها ، ولا داعي إلى أن نطيل في ذلك من النواحي الشرعية ؛ بعد أن عرفت فساد الأمر من الناحية اللغوية ومن حيث الإمكان .
بعد هذا نقول : إن المتأمل ليعجب ، عندما يرى - مع وضوح هذا الذي ذكرناه - دعوة ملحّة ، لا تزال تنبع من هنا وهناك ، تنادي بضرورة ترجمة القرآن
هامش
( 1 ) الأنفال : 58 .
( 2 ) الكهف : 11 .
( 3 ) الفرقان : 73 .
( 4 ) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة صفحة : 16 .