تكشف عن المعنى المراد بواسطة التصوير والتخييل ، والأداة المستعملة لذلك جملة من المجازات والتشبيهات والاستعارات المختلفة . فكيف يمكنك أن تترجم هذه الآية ترجمة سليمة لا تفسد المعنى ولا يخرج عملك فيها من الترجمة إلى التفسير ؟ ! . . .
والقرآن يقول :
نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
« 1 » وقد مرّ بك أن « مقوين » تحمل معنى : الجائعين ، المقيمين في البيداء ، المستمتعين . ويقول :
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً
« 2 » و
قَراراً
بيان لكل الأسباب التي بها أمكن أن يستقر الإنسان على الأرض ، ويقول :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
« 3 » ودحى بمعنى : وسع ، وبسط ، وكوّر ، ودوّر ، كما قد مرّ بيانه فيما مضى . وقال عن وصف الخمرة في الجنة :
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
« 4 » وقد نفى بهاتين الكلمتين جميع عيوب الخمرة المعروفة من ذهاب بالعقل وإذهاب للمال ، ونفاد للشراب ، وتقزز من طعمه وحرقته .
فكيف تتأتى ترجمة هذه الألفاظ إلى ألفاظ أخرى تحمل نفس المرونة في الدلالة ، وتحمل نفس المعاني المختلفة المتنوعة التي لا بدّ من دلالة اللفظ عليها جميعها لتتم الترجمة ، إذ إن هذه المعاني كلها مقصودة معا في البيان القرآني ؛ مع العلم بأنك لو رحت تشرح دلالات كل لفظة في شرح مطوّل من الألفاظ والبيان ، فأنت حينئذ مفسّر ولست بمترجم وإليك ما يقوله في بيان هذا المعنى ابن قتيبة رحمه اللّه :
« . . . وبكل هذه المذاهب نزل القرآن ، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية ، وترجمت التوراة والزبور ، وسائر كتب اللّه تعالى بالعربية ، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب » .
هامش
( 1 ) الواقعة : 73 .
( 2 ) النحل : 61 .
( 3 ) النازعات : 20 .
( 4 ) الواقعة : 19 .