تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
إلى اللغات المختلفة ، وتحتجّ لذلك بالضرورة الداعية إلى اطّلاع الأمم المختلفة على حقائق القرآن وأحكامه ومحتوياته . وهي دعوة بدأت تلحّ وتشتدّ وتجادل عن نفسها منذ أوائل عهد الاحتلال البريطاني لمصر « 1 » بزعم حاجة العالم الإصلاحية إلى ذلك ! فإن كان المقصود ، اطلاع العالم على حقيقة القرآن وعظمته . فإن القرآن ليس قرآنا إلا من حيث أنه كتاب عربي مبين ، وقد علمت في أول هذا الكتاب أن القرآن هو : اللفظ المنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واللفظ الأعجمي ليس هو الذي أنزل ، فهو ليس بقرآن البتة . وأما عظمته وروعته ، فإن شيئا من ذلك لا يبقى أو يظهر عند تقديمه مترجما إلى الناس ، بل يظهر منه عند ذلك ، معان سقيمة مشوهة وتعابير غريبة غير مفهومة . فلا القرآنية تبقى لدى الترجمة ولا عظمة القرآن تتجلى وتظهر بها . وإن كان المقصود ، أن تطّلع الأمم المختلفة على ما تضمنه القرآن من مبادئ وشرعة وأحكام ، فإن ذلك يمكن أن يتم بأجلى مظهر وبأيسر طريق ، إذا ما فسّر القرآن تفسيرا وافيا واضحا باللغة المطلوبة فالتفسير هو الذي يفي بهذا الغرض لا الترجمة المزعومة . وهكذا ، يتجلى للمتأمل ما تنطوي عليه هذا الدعوة العجيبة من الدخيلة والريب . وحسبك دليلا على ذلك أن تعلم أن الحاجة إلى ما يسمى ب ( ترجمة القرآن ) لم تظهر عند أيّ فئة من الناس ولم يدع إليها أيّ مفكّر أو باحث ، خلال القرون المنصرمة كلها إلى هذا القرن الذي نحن فيه ، مع أن الأسباب التي يتذرع بها اليوم كانت موجودة بأجلى المظاهر بالأمس .
هامش
( 1 ) يجدر بالقارئ أن يرجع إلى مجلة الأزهر « نور الإسلام » السنة الثامنة . العدد الثاني وما بعده ، ففيها إثارة لموضوع ترجمة القرآن ، أثاره الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر إذ ذاك ، وناقشه في ذلك جمهور كبير من الكتّاب والباحثين . ومعلوم أن مصطفى المراغي نصّب شيخا للأزهر بعد « الإصلاح » الذي أدخل عليه بتخطيط من اللورد كرومر إذ ذاك . راجع كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد محمد حسين ، ومقدمة كتاب تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث لمؤلف هذا الكتاب .