ونكاله يصفهم بأسوإ أعمالهم وأحطّ ما انتهوا إليه من الخصال ، حتى إذا تأملت في حالهم رجعت إلى نفسك فقلت : أحمد اللّه على أني لست منهم ولم أبلغ مبلغهم في السوء والانحراف . وحينما يصف المؤمنين الذين استحقوا ثواب اللّه ورضوانه ، يصفهم أيضا باسمي خصالهم وأفضل أعمالهم حتى إذا تأملت في حالهم ، عدت إلى نفسك تقول في تألم وأسف : أين عملي من أعمالهم وأين تقصيري من سموّ درجاتهم . وبذلك تجد ذاتك في حالة وسطى بين الرجاء في عفو اللّه والخوف من عذابه .
ولنضرب مثلا لتجلية هذا المظهر التربوي في كتاب اللّه عزّ وجلّ . انظر إلى هذه الآيات وهي تصف الأسباب التي أدّت إلى شقاء صنف من الناس يوم القيامة :
يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ، ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ؟ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
« 1 » فأنت إذا سمعت هذه الأوصاف حمدت اللّه على أنك لست منهم مهما كنت مخطئا ومقصرا .
ثم انظر إلى هذه الآيات الأخرى وهي تصف الأسباب التي بها يسعد الناس في حياة خالدة يوم القيامة :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً . . .
« 2 » أو إلى هذه الآيات التي يقول فيها اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 3 » فأنت إذا تأملت هذه الأوصاف ، تضاءلت نفسك أمامك ، وتبدّت لك منها مظاهر التخلّف والتقصير .
هامش
( 1 ) المدثر : 1 - 46 .
( 2 ) الفرقان : 63 و 64 و 65 .
( 3 ) السجدة : 15 و 16 و 17 .