تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
إنّه يدّعي الربوبية ، ويزعم أن لا إله لهم غيره ، ثم يطلب من هامان أن يوقد على الطين ، فيجعل له منه برجا عاليا يصعد عليه ليبحث من هناك عن إله موسى ! . . . فانظر كيف صوّر القرآن بشرية فرعون التي فرضت نفسها على كلامه لتكذبه فيما يزعم ولتسخر من عظم دعواه أمام ضآلة ذاته ، صوّر ذلك في قوله :
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ
. . . يدّعي الربوبية ويريد الصعود إلى أجواء السماء ثم لا يرى سبيلا إلى ذلك إلا أن يستعين بالطين وأسباب الطين . . . إن الذي يضطر إلى الاستعانة بالطين ، فيما يسعى إلى تحقيقه ، لا يمكن إلا أن يكون ذلك المخلوق الضعيف الذي خلق من طين . ثم إنه يقول : لعلّي أطلع إلى إله موسى ، ولعلّ أداة رجاء . والرجاء من أبرز دلائل الضعف وتقاصر القدرة . ذلك لأن الذي يرجو شيئا ، إنما يظهر تعلق قلبه وانصراف نفسه إليه دون أن يستيقن أنه قادر على بلوغ فعله . إذ كانت رغبته فيه أقوى من قدرته عليه ، فهو يعلّل نفسه بالأمل . إنّ الرب الحقيقي أجلّ من أن يكون على هذه الحال ، ولكنها الفطرة البشرية تأبى إلّا أن تفرض نفسها على لسان صاحبها ، سواء أكان مؤمنا أم كافرا ، متجبرا كان أم متألها . فهذا الجانب من الإعجاز القرآني ، لا يتوقف إدراكه أو الشعور به على سعة علم أو ثقافة أو بلاغة . بل لا بدّ أن يتنبه إليه كل متدبر لتلاوة القرآن متأمل فيما يقرأ ، مهما كانت ثقافته ودرايته . غير أنه قد لا يحسن التعبير عمّا يشعر به ، ولا يقدر على تحليله وشرح أسبابه . وإذا رأيت من إذا تلا القرآن تأثر به قائلا : إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن بشر ، فاعلم أنه متفاعل مع هذا الوجه الأخير الذي فرغنا من شرحه وتحليله .