تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
سبيلا . ذلك لأن الأسلوب ليس طريقة معينة في صوغ العبارة فقط ، بل هو قبل ذلك مرآة لنفسية صاحب الأسلوب . فلئن استطاع الكاتب أن يقلّد الآخر في صوغ العبارات ، فهيهات أن يستطيع تقليده في إبراز نفسية كنفسيته . فمن هنا يأتي العجز عن أن يتقمص أي كاتب أسلوب غيره . وليزداد الأمر وضوحا لك ، افرض أن العقاد رحمه اللّه أحبّ أن يقلّد - وهو الكاتب القدير - أسلوب المازني رحمه اللّه في مرحه ودعابته ، أفيستطيع أن يفعل ذلك بنجاح ؟ من البداهة بمكان أنه لا يقدر لأن ما طبع عليه العقاد من الجدّ والغوص إلى أعماق المعاني ، يحول دون إمكان ظهوره بمظهر إنسان مرح يتناول الأحداث والمعاني من جوانبها السطحية المضيئة . . . ولو أن المازني أراد هو الآخر أن يقلّد أسلوب العقاد . لوقع في براثن العجز ذاته ، لأنه لا يستطيع أن يتجرد عن طبعه ويرتدي طبعا آخر لم يفطر عليه . . . فإذا اتضح لنا أن الفوارق النفسية والطبيعية تحول دون إمكان تقليد كلّ منّا للآخر في أسلوب الكتابة والقول ، على الرغم من وجود الإنسانية العامّة قاسما مشتركا بين الجميع ، فأحرى - في باب البداهة والوضوح - أن لا يستطيع إنسان من الناس أيّا كان ، أن يتجرد عن بشريته وطبيعته ، ثم يجعل من نفسه إلها يتصف بكل ما لا بدّ أن يتّصف به الإله من الصفات الربانية المضادة للطبيعة البشرية ، وينطق بكلام تبرز فيه هذه الألوهية بكل ما فيها من خصائص وصفات ، وكل ما تمتاز به من تجرد عن مظاهر البشرية والضعف الإنساني . ولكي نرى تطبيق هذه الحقيقة على كتاب اللّه تعالى ، يجب أن نلاحظ أن الآيات القرآنية ، تنقسم إلى طائفتين : أما طائفة منها فيتحدث فيها اللّه عزّ وجلّ على ألسنة أنبياء أو أشخاص آخرين ، وذلك في نطاق القصص أو الإخبار عن أقوالهم . ولا كلام لنا في هذا الصدد عن هذه الطائفة من الآيات . الطائفة الثانية آيات ذاتية ، أي يتكلم فيها اللّه عزّ وجلّ عن ذاته آمرا أو ناهيا أو مخبرا ، فإذا تأملت في هذه الآيات ، رأيتها تتسم بجلال الربوبية وصفات الألوهية ، ولم تجد فيها أي معنى من المعاني البشرية والصفات