تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
إنها معجزة الإخبار اللغوي ، يقرره البيان الإلهي ، صادرا عن الخالق ذاته ، صاحب هذه النواميس ومبدعها ، متحديا قدرات التطوير ووسائل البحث والتغيير . وتلك هي الدنيا وأجيالها ، وطموح العلم والبحث فيها ، كل ذلك خاضع خضوعه المطلق لهذه القوانين والنواميس . ولعلّ هذه النماذج كافية لبيان ظاهرة الإعجاز الغيبي في القرآن . ولعلك تلاحظ أن ما يسمى عند بعضهم بالإعجاز العلمي يندرج تحت الإعجاز الغيبي ، لأن الآيات التي تتضمن حقائق علمية صدقت عليها موازين العلوم والاكتشافات الحديثة ، تتضمن حقائق غيبية في الوقت ذاته .

ثالثا : الإعجاز بالتشريع :

تحدّث كثير من الكاتبين عن الإعجاز التشريعي في القرآن ، بطريقة لا أظن أنها تكشف حقيقة عن جانب جديد من الإعجاز القرآني ، ينبع من أحكامه التشريعية . وقصارى ما ينتهي إليه ذهن القارئ أو المتتبع لهذه الطريقة ، إن في القرآن تشريعا أصيلا وأحكاما مهمة وضرورية لمصالح الناس وإن علماء الشرائع والقانون لا غنى لهم ، على مرّ العصور ، عن الإفادة منها والرجوع إليها . أما أنا تشكل مظهرا من مظاهر الإعجاز في القرآن ، فذلك شيء آخر قد يخفى على من يدرس الإعجاز التشريعي في القرآن بتلك الطريقة . على أن الإعجاز التشريعي في القرآن ، حقيقة بارزة لا تقبل ريبا ولا يكتنفها غموض ، ولكن الأمر يحتاج إلى فهم حيثية الإعجاز التشريعي فيه ، وهو ما فات التنبّه له ، أو التنبيه إليه ، لدى كثير من الباحثين . ولا شك أن التنبّه إلى هذه الحيثية التي هي مكمن الإعجاز التشريعي في القرآن يحتاج إلى مقدمة ، نوجزها فيما يلي : من المعلوم فيما أجمع عليه علماء القانون والاجتماع ، أن آخر ما يتوج به تقدم أيّ جماعة أو أمة في نهضتها المدنية والحضارية ، هو تكامل البنية القانونية والتشريعية في حياتها . أي إن ظهور صياغة قانونية متكاملة في الأمة يعدّ الثمرة العليا لتقدمها الحضاري .