تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
ومن النوع الثاني : آيات تحدّثت عن أشخاص بأعيانهم ، أنبأت عن مصائرهم ، وكشفت عن حكم اللّه المبرم في حقهم . من ذلك قول اللّه تعالى عن أبي لهب عبد العزّى بن عبد المطلب عم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ، ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ . سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
إنك إذا تأملت هذه الآيات وما قد تضمنته من إخبار عن مستقبل هذا الرجل وما سيئول إليه حاله ، علمت أن أحدا من الناس لا يملك أن يطلق هذا الوعيد ويسجله في عنق الزمن وعلى صفحة الدهر . فما الذي يدري هذا الإنسان أن أبا لهب سيثبت على كفره إلى الموت ، وما هي ضمانات أنه لن يؤمن كما آمن الكثير ممّن هم أشد منه كفرا وأقسى عنادا ؟ بل ما الذي يطمئن هذا الإنسان إلى أن أبا لهب لن ينهض به دافع التحدّي عندما يسمع هذا الوعيد المسجل في حقه إلى أن يعلن إيمانه باللّه ورسوله على الملأ ، ليثبت بذلك أنه قد محا أسباب شقوته ، وأن إخبار القرآن عن مصيره مخالف للواقع الذي تم . إن بشرا من الناس لن يستوثق من تقلبات الزمن ، وما قد يطرأ من الأحوال والأفكار الجديدة على أبي لهب وأمثاله ، ونظرا لذلك فلن يجد من الجرأة ما يعتمد عليه في إطلاق مثل هذا الخبر الغيبي المخبوء في تلافيف المستقبل . ومثله قول اللّه عزّ وجلّ في حق الوليد بن المغيرة المخزومي :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ، وَبَنِينَ شُهُوداً ، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ، كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
إلى قوله :
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ . . .
. إن هذا الإخبار الغيبي : سأرهقه صعودا . . . سأصليه سقر . . . ليس مما يتجرأ إنسان عليه لأن الإنسان يفرض الاحتمالات المختلفة للزمن ، والأطوار المفاجئة العجيبة للإنسان ، وهو ليس مطّلعا على ما قد يأتي به الغد أو ما قد يفاجأ به فكر الإنسان . ولكنه إخبار غيبي يصدر عمّن بيده مصير الزمن والمكان ، وعمّن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما ينتهي إليه حال أيّ إنسان .
من روايع القرآن — صفحة 150 | محمد سعيد رمضان البوطي