تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وحفظا للفكر أن يتشتت مع أجوائها وأحداثها فينسى مساقها الأصلي . وهو حينما يشرح لك أحكاما في العبادات أو المعاملات أو غيرها ، يسلك بك أيضا المنهج ذاته ، فهو يحاذر أن تستغرق في التأمل بهذه الأحكام من حيث هي علم أو فن برأسه ، كما قد يحصل مع من ينكبّ على دراسة هذه الأحكام في الكتب العلمية الخاصّة بها ، فيوصلها بآيات ليست منها ، فيها وعد أو وعيد أو حديث عن الآخرة أو دليل على وجود اللّه وعظمته ، ليتنبّه الفكر ، ويظلل مستيقظا للحقيقة الكلية الكبرى التي تطوف بها جميع المعاني الأبحاث . ولو أن القرآن اتبع في عرض معانيه ، هذا الذي يسلكه الناس في تآليفهم وبحوثهم ، فأفرد فصولا خاصة لعرض الأحكام والتشريع ، ثم ميّز فصلا آخر للقصص ، وجاء بفصل ثالث في وصف المغيبات كالجنة والنار ، وهكذا . . . - نقول : لو درج القرآن على ذلك لفات تحقيق هذا الغرض الذي ذكرناه ، ولما أمكن أن تكون هذه الفصول المتناثرة انعكاسا لمعنى كلي واحد تشترك كلها في بثّه والتوجيه إليه . ولئن أمكن أن يتذكر القارئ ذلك في تمهيد أو فصل من الفصول ، فلسرعان ما ينساه عندما يستغرق في قراءة أو دراسة الفصول الأخرى . وإن هذا الذي نقول ، ليس من الحقائق المستعصية أو الخافية على من يصدق التأمل والنظر في كتاب اللّه تعالى ، ولكن في الناس من يقود عقله وراء غرض ما . . . فيمضي يصطنع مشكلة ، وهو بعقله الحرّ يعلم أنها ليست بمشكلة ، ولكن الغرض الذي يسعى إليه لا يدعه يحرّر عقله من الأسر فيمضي متوكلا على الشيطان ليزعم أن الأبيض أسود ، والموجود معدوم والشمس مظلمة . هؤلاء الناس هم محترفو الغزو الفكري من المبشرين والمستشرقين أولا ، ثم هم أذنابهم وذيولهم الذين ينعقون بما لا يفقهون ثانيا . وبعد ، فهذه جملة خصائص الأسلوب القرآني ، عرضناها عرضا سريعا ، ابتغاء تصورها في إطار عام شامل . ولنا عود - إن شاء اللّه - بالتفصيل إلى كثير مما قد أجملناه خلال البحوث التالية .