إعجاز القرآن تعريفه ، وجوهه ، دليله ، مظاهره
تمهيد لا بدّ منه :
الحديث عن إعجاز القرآن من أهم البحوث المتعلقة بالقرآن وآدابه وعلومه ، وهو لبّها وجوهرها وأساسها وعمدتها .
ومع ذلك ، فإنني أعلم أن كثيرا ممّن سيقرأ ما أكتبه في هذا البحث ، لا يملكون إلا أن يحفظوا ما أقوله بعقولهم ، دون أن يتذوقوه بقلوبهم ، ويستيقنوه بأفكارهم .
والسبب أنهم عاشوا غرباء عن القرآن ، لم تتهيأ لهم أسباب قراءته ولم يتوفروا على شيء من دراسته ؛ إن في هؤلاء - ويا للأسف - من لم يسمع بالقرآن إلا في أحاديث الناس وما تقوله الكتب ، ومن لم ينصت إلى شيء من آياته إلا في أمسيات التعازي أو عند افتتاح حفل أو لدى مصادفة عند فتح إذاعة .
وإنما يفقه الحديث عن إعجاز القرآن ويتذوقه ، من درس القرآن قبل ذلك ، فأتقن قراءته ، تماما كما كان يتقنها أطفال « الكتّاب » في بلادنا قبل اليوم .
فهو الذي يكون قد تصور حقيقة القرآن ، وتهيأ لفهم الحديث عن إعجازه .
أما من لم يتوفر على تصوره إلا في أصوات « المقرئين » وفي أمسيات التعازي ، ومن إذا أراد أن يقرأ بضع آيات منه تلعثم وترطّن وثقلت كلماتها العربية على لسانه ، فهيهات أن يفقه شيئا عن إعجاز القرآن ومظاهره ودلائله ، إلا أن يحفظ ذلك حفظا ويبصمه بصما . ذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، فمن لم يتصور الشيء على حقيقته عجز عن إسناد أي حكم إليه .