تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
ولقد قامت « ويا للأسف » حواجز كادت أن تصبح حصينة بين كثير من أفراد نشئنا المثقف وهذا الكتاب العظيم . ولم يعد سرّا خافيا أن هذا الحاجز إنما تكثف واستقرّ وتطاول ، بفعل التخطيط الذي كانت ولا تزال تقوم به دوائر أجنبية ، قصدا إلى إضعاف اللغة العربية في ألسنة أصحابها العرب وصدورهم ، تحت شعارات وأهداف مزوّقة خادعة ، كالدعوة إلى تبسيط قواعد العربية تارة ، وترويج فكرة الجمع بين العربية والعاميّة أخرى ، والدعوة إلى كسر عمود الشعر لإحلال ما يسمى ب « الشعر المنثور » مكانه تارة ثالثة . والقصد البعيد من ذلك كله ، هو إقامة هذا الحاجز بين الجيل وكتاب اللّه عزّ وجلّ ، فإنه إذا حجز عنه ، لم يعد يقدر على معرفته وإدراكه ، وإذا لم يعد قادرا على معرفته ، فأحر به أن لا يقدر على فهم شيء مما يقال حول إعجازه . وإن هذه النتيجة لتنطوي على ربح عظيم لأولئك الذين يرقبون الأمر من بعيد ، بمقدار ما تنطوي عليه من الخسارة الفادحة لهذا الجيل الذي نسي الكثيرون منه كل شيء إلا أنهم : عرب « 1 » . وعلى كلّ ، فلا بدّ من الحديث عن إعجاز القرآن ، وعلى من لم يتصور حقيقة القرآن بعد ، أن يسرع فيتدارك ما فاته ، وسيهون الأمر عليه إذا ما تصور أن أول زاد الأديب ومعلّم العربية إنما هو هذا الكتاب ، فهو - من دون معرفته وإتقان تلاوته - لا يملك أن يقول شيئا في باب الأدب أو القواعد أو البيان ، وما أخزى وأسوأ منظر ذاك الذي يقف ليلقي درسا في العربية ، فإذا ما صادفته آية من القرآن ، وجدت لسانه لا يدور بها إلا كما يدور لسان الأعجمي إذا أراد أن يبين بالعربية ويتفصح ! ! . . ولست أتحدث - في هذا المقام - عن أي غاية لضرورة دراسة هذا الكتاب وإتقان تلاوته ، غير الغاية التي نحن بصددها . إن المهم أن عالم العربية ليس عالما بشيء منها طالما ظل غريبا عن ينبوع العربية ومصدر سائر علومها .
هامش
( 1 ) اقرأ لتطلع على بسط الدلائل في هذا المعنى كتاب « حصوننا مهددة من داخلها » للدكتور محمد محمد حسين إن عثرت عليه . واقرأ كتاب تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث لمؤلف هذا الكتاب .