تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
والأسلوب . وفي بيان هذه الحكمة يقول اللّه عزّ وجلّ :
وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
( طه : 113 ) . قال الزركشي : وحقيقته - أي وحقيقة التصريف - إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى ، خشية تناسي الأول لطول العهد به « 1 » . وهي من الطرائق التربوية التي سلكها هذا الكتاب المبين ، ولنا إلى الحديث عنها عودة - إن شاء اللّه - عند الحديث عن خصائصه التربوية . أما الغرض الثاني فهو إخراج المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ والعبارة ، وبأساليب مختلفة تفصيلا وإجمالا ، وتصريف الكلام في ذلك ، حتى يتجلى إعجازه ويستبين قصور الطاقة البشرية عن تقليده أو اللحاق بشأوه . وأنت تعلم أن هذا الكتاب إنما تنزّل لتحقيق أمرين : أولهما إقناع العقلاء من الناس بأنه ليس كلام بشر ، ثانيهما إلزامهم بالشريعة التي فيها . فلا بدّ فيه من الوسائل التي تفي بتحقيق السبيل إلى كلا الأمرين . ومن هنا ، كان من المحال أن تعثر في القرآن كله على معنى يتكرر في أسلوب واحد من اللفظ ويدور ضمن قالب واحد من التعبير ، بل لا بدّ أن تجده في كل مرة يلبس ثوبا جديدا من الأسلوب وطريقة التصوير والعرض ، بل لا بدّ أن تجد التركيز في كل مرة منها على جانب معين من جوانب المعنى أو القصة . ولنضرب لك مثالا على هذا الذي نقول : اقرأ قصة نوح في سورة هود ، وهي ما بين قوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنّي لكم نذير مبين - وقوله جلّ جلاله : تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك . . . الآية ، وهي في جملتها اثنتان وعشرون آية ، ثم ارجع فاقرأ القصة نفسها في سورة القمر من الآية 9 إلى الآية 15 ثم اقرأها في سورة نوح ، ثم تأمل في النصوص الثلاثة وقارن بين أسلوب كلّ منها وطريقته في العرض والتصوير والجانب المعنوي الذي يرتكز عليه التعبير في كلّ منها ، فإنك إن تأملت في ذلك جيدا تخيلت أنك إنما تقرأ في
هامش
( 1 ) انظر البرهان : 3 - 10 .
من روايع القرآن — صفحة 119 | محمد سعيد رمضان البوطي