الرد على هذه الشبهة
: لو كانت القراءة بالمعنى حاصلة فعلا لكان بين أيدينا الآن آلاف المصاحف المختلفة نتيجة لذلك .
وإن القول بجواز تبديل لفظ بآخر يؤدي إلى ذهاب الإعجاز الذي هو من أهم مميزات القرآن الكريم ، وإن كل لفظ فيه مقدر في موضعه خير تقدير ، ومعبر أصح تعبير ، ولا يمكن أن يسدّ أي لفظ آخر مسدّه .
وأما ما اعتمد عليه مثيرو هذه الشبهة من روايات وآثار ، مثل حديث : « ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة » « 1 » وما يروى عن ابن مسعود أنه كان يقرئ رجلا :
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 43 ) طَعامُ الْأَثِيمِ
[ الدخان : 43 - 44 ] وكان الرجل يقول : طعام اليتيم فقال له ابن مسعود : أتستطيع أن تقول : طعام الفاجر . قال :
نعم . قال : فقل « 2 » ، فإنها لا تصلح حجة لهم ، فالحديث يراد به تبيين أن الحروف التي نزل بها القرآن متفق مفهومها ، لا يكون في شيء منها المعنى وضده ، ولا يختلف الوجه منها عن معنى وجه آخر بما يضاده ، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده .
أما الأثر المروي عن ابن مسعود فإنه ضعيف السند لا يصح الاحتجاج به « 3 » ، وعلى فرض صحته فإنه يحمل على أنه أراد توضيح المعنى له ليكون ذلك وسيلة إلى النطق بالصواب ، قال القرطبي : « ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره ، لأن ذلك إنما كان من عبد اللّه تقريبا للمتعلم وتوطئة منه للرجوع إلى الصواب واستعمال الحق والتكلم بالحرف على إنزال اللّه وحكاية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 4 » .
هامش
( 1 ) رواه الطحاوي في مشكل الآثار ( 8 : 113 ) ، والطبري في تفسيره ( 1 : 46 ) ، وأحمد في المسند برقم 8390 ( 14 : 120 ) وقال محقق المسند شعيب الأرناءوط : إسناده حسن .
( 2 ) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن ص 183 ، وأورده الفخر الرازي في تفسيره ( 27 : 215 ) .
( 3 ) انظر : تعليق محقق فضائل القرآن على الحديث ، ص 183 .
( 4 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ( 16 : 149 ) .