كان هذا وذاك يستدعي الوقوف فترة زمنية عند رعاية الوحي للنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في التوفيق بين واجباته القيادية ، وحياته الاعتيادية ، فأمام المنافقين نجد الحذر واليقظة يتبعهما الإنذار النهائي بإغراء النبي بهم ، وعند الحادثتين التاليتين نجد الوحي حاضرا في اللحظة الحاسمة ، فيسليه في الأولى بأن أكثر هؤلاء لا يعقلون . ويعظهم في الثانية بجعل مقامه متميزا فلا يخاطب إلا بصدقة ، ولا يسأل إلا بزكاة .
وما زلنا في هذا الصدد فإننا نجد الوحي رفيقا أمينا لهذا القائد الموحى إليه ، من هذه الزاوية التوفيقية بين التفرغ لنفسه ، والتفرغ لمسئولياته ، وهذا أهم جانب يجب أن يكشف في حياة النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم والكشف عنه إنما يتم بدراسة حياة النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم الخاصة مرتبطة بهذه الظاهرة وهي ظاهرة الوحي الإلهي ، ومدى الاتصال والانفصال بينها وبين النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وحاجته الملحة إلى هذا الشعاع الهادي ، منذ البدء وحتى النهاية .
لم يكن النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بدعا من الرسل ، ولم يختص بالوحي دونهم بل العكس هو الصحيح ، فقد شاركهم هذه الظاهرة ، وقد أوحي إليه كما أوحي إليهم من ذي قبل .
قال تعالى :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 163 ) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 )
« 1 » .
فقد هدفت الآية وما بعدها إلى بيان حقيقة الوحي الشاملة للأنبياء كافة ممن اقتص خبرهم وممن لم يقتص ، وإيثار موسى عليه السلام بالمكالمة وحده .
ويبقى التساؤل قائما ؛ بما ذا تفسر هذه الظاهرة ، وكيف تعلل نفسيا
هامش
( 1 ) النساء : 163 - 164 .