تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المستشرقون والدراسات القرآنيه — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
مضادة داخلية تفتك بالصفوف وتفرق الجموع ، لولا الوقوف في نهاية الأمر بوجه ترددهم الخائف ، وهزائمهم المتلاحقة ، أثر ما حققه الإسلام من انتصارات في غزواته وحروبه الدفاعية ، إلا أن جذوتهم بقيت نارا تحت الرماد ، وعاصفة بين الضلوع ، تخمد تارة وتهب أخرى . الثانية : مجابهته للفضوليين ، الذين كانوا يأخذون عليه راحته ويزاحمونه وهو في رحاب بيته ، بين أفراد أسرته وزوجاته ، فينادونه باسمه المجرد ويطلبون لقاءه دون موعد مسبق ، بما عبر عنه القرآن بصراحة :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( 4 ) « 1 » . واستأثر البعض من هؤلاء وغيرهم بوقت القائد ، فكانت الثرثرة والهذر وكان التساؤل والتنطع ، دون تقدير لملكية هذا الوقت ، وعائدية هذه الشخصية فحد القرآن من هذه الظاهرة واعتبرها ضربا من الفوضى ، وعالجها بوجوب دفع ضريبة مالية تسبق هذا التساؤل أو ذاك الخطاب ، فكانت آية النجوى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 12 ) « 2 » . وكان لهذه الآية وقع كبير ، فامتنع الأكثرون عن النجوى ، وتصدق من تصدق فسأل ووعى وعلم ، وانتظم المناخ العقلي بين يدي الرسول الأعظم صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم فكف الفضول ، وتحددت الأسئلة ، ليتفرغ النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم للمسئولية القيادية ، ولما وعت الجماعة الإسلامية مغزى الآية ، وبلغ اللَّه منها أمره ، نسخ حكمها ورفع ، وخفف اللَّه عن المسلمين بعد شدة مؤدبة وفريضة رادعة وتأنيب في آية النسخ :
أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
( 13 ) « 3 » .
هامش
( 1 ) الحجرات : 4 . ( 2 ) المجادلة : 12 . ( 3 ) المجادلة : 13 .
المستشرقون والدراسات القرآنيه — صفحة 39 | محمد حسين علي الصغير