أحكامه ، فإذا كان هذا التقييد معلوما لكلّ المسلمين فيجب أن يحمل ذلك الإطلاق على هذا التقييد . « 1 » وحيث كان القرآن الكريم كتاب تربية بالدرجة الأولى فالتربية بكلّ أقسامها - الروحية والبدنية والاجتماعية وغيرها - تعتمد على نوعين من الحقائق : ثابت ومتطور . فمثلا إنّ وحدانية اللّه تعالى من الحقائق الثابتة في الكتاب الصريحة ، يقول تعالى
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
« 2 » ، وصراحتها هنا هي الضمان لعدم انشطار الشخصية من تعدد الآلهة وما يترتّب عليه من تهافت ، ومن الوسائل التي تحقّق تربية نفسية وجسديّة صوم شهر في السنة ، وقد جاء به القرآن هكذا لأنه موضوع بإزاء حقيقة ثابتة ، وهي الإنسانية بخصائصها الجسدية والروحية ، فالجسد هو الجسد مهما تطوّرت الدنيا ونوازعه نوازعه مهما لبست من أثواب ، لذلك كان العلاج ثابتا وهو
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
« 3 » في حين هناك وسائل للتربية في حقول أخرى تقتضي التطوّر ، فوضع الحكم المتطوّر بإزائها .
ومن ذلك قوله تعالى في الآية
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
« 4 » فإنّ الحكم بالعدل من أفعل الوسائل في التربية ، ولكن لما كان مفهوم العدل متطوّرا لأنّه وضع الشيء في موضعه ، وضعه اللّه عزّ وجلّ علاجا لكثير من المشاكل التي تحتاج إلى مرونة وقابلية للتكيّف مع جوّ المشكلة ، وليس لذلك إلّا العدل ، هذا المفهوم المتطوّر .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي : ص 40 ، ط مصر 1324 .
( 2 ) الآية الأولى من سورة الاخلاص .
( 3 ) البقرة : 185 .
( 4 ) النساء : 57 .