قلت : فما طعامكم ؟ قال : بخ بخ عيشنا عيش تعلّل جاذبه وطعامنا أطيب طعام وأهنأه وأمرأه الفثّ « 1 » والهبيد والصليب والعنكث « 2 » والعلهز « 3 » والذآنين والينمة والعراجين والحسلة « 4 » والضبّاب واليرابيع والقنافذ والحيّات وربّتما واللّه أكلنا القدّ واشتوينا الجلد فما نعلم أحدا أخصب منّا عيشا ولا أرخى بالا ولا أعمر حالا ، أو ما سمعت قول شاعر وكان واللّه بصيرا برقيق العيش ولذيذه ؟ قلت : وما قال ؟ قال قوله :
إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة * وخمس تميرات صغار كوانز
فنحن ملوك النّاس خصبا ونعمة * ونحن أسود النّاس عند الهزاهز
وكم متمنّ عيشنا لا يناله * ولو ناله أضحى به حقّ فائز
فالحمد للّه على ما بسط من حسن الدعة ورزق من السعة وإيّاه نسأل تمام النعمة .
وقيل لأعرابيّ : كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كلّ شيء ظلّه ؟ فقال : وهل العيش إلّا ذاك ؟
يمشي أحدنا ميلا فيرفض عرقا كأنّه الجمان ، ثمّ ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه وتقبل عليه الرياح من كلّ جانب فكأنّه في إيوان كسرى .
ذكر من اختار الوطن على الثروة
قال بعض الأدباء : عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك .
وقيل لأعرابيّ : ما الغبطة ؟ قال : الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان . قيل :
فما الذّلّة ؟ قال : التنقّل في البلدان والتنحّي عن الأوطان .
وقال بعض الأدباء : الغربة ذلّة فإن ردفتها علّة وإن أعقبتها قلّة فتلك نفس مضمحلّة .
وقالت العرب : الغربة ذلّة والذلّة قلّة .
وقال آخر : لا تنهض عن وكرك فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة .
وشبّهت العرب والحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أمّ ترأم « 5 » له ولا
هامش
( 1 ) الفث : نبت يختبز حبه ويؤكل في الجدب .
( 2 ) العنكث : ضرب من النبات يشتهيه الضب .
( 3 ) العلهز : وبر يخلط بدم الحلم كانت العرب في الجاهلية تأكل منه في حالة الجدب .
( 4 ) الحسل : ولد الضب حين يخرج من بيضته وجمعه : حسلة .
( 5 ) رئمت الناقة : ولدها ترأمه عطفت عليه ولزمته .