كما وقع لجبير بن مطعم أنه سمع النبي يقرأ في المغرب بالطور ، قال فلما بلغ هذه الآية
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
- إلى قوله -
الْمُصَيْطِرُونَ
« 1 » كاد قلبي أن يطير . قال وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي . وقد مات جماعة عند سماع آيات منه أفردوا بالتصنيف . ثم قال ومن وجوه إعجازه كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل اللّه بحفظه . ومنها أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه ، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة وترديده يوجب له محبة ، وغيره من الكلام يعادي إذا أعيد ويملّ مع الترديد ، ولهذا وصف ( صلّى اللّه عليه وآله ) القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد . ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ، ولا أحاط بعلمها أحد ، في كلمات قليلة وأحرف معدودة . قال وهذا الوجه داخل في بلاغته فلا يجب أن يعد فنا مفردا في إعجازه قال والأوجه ، التي قبله تعد في خواصه وفضائله لا إعجازه وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة الأول ، فليعتمد عليها .
انتهى .
تنبيهات
الأول اختلف في قدر المعجز من القرآن ، فذهب بعض المعتزلة إلى أنه متعلق بجميع القرآن ، والآيتان السابقتان ترده . وقال القاضي يتعلق الإعجاز بسورة ، طويلة كانت أو قصيرة ، تشبثا بظاهر قوله
بِسُورَةٍ *
وقال في موضع آخر يتعلق بسورة أو قدرها من الكلام ، بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة ؛ قال فإذا كانت آية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فذلك معجز . قال ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر . وقال قوم لا يحصل الإعجاز بآية ، بل يشترط الآيات الكثيرة . وقال آخرون يتعلق بقليل القرآن وكثيره ، لقوله
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
« 2 » قال القاضي ولا دلالة في الآية ، لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة .
هامش
( 1 ) . الطور / 35 - 37 .
( 2 ) . الطور / 34 .