معجزة فإنه يظهر إعجازه من هذه ؛ الجهة إذ كان سبيل فلق البحر وقلب العصا حية وما جرى هذا المجرى في ذلك سبيلا واحدا في الإعجاز ، إذ خرج عن العادة وقعد الخلق فيه عن المعارضة .
وقال القاضي عياض في الشفا اعلم أن القرآن منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة ، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه :
أولها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الذين هم فرسان الكلام وأرباب هذا الشأن .
الثاني صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته وانتهت إليه فواصل كلماته ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له . قال وكل واحد من هذين النوعين الإيجاز والبلاغة بذاتها والأسلوب الغريب بذاته نوع إعجاز على التحقيق ، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما ، إذ كل واحد خارج عن قدرتها مباين لفصاحتها وكلامها ، خلافا لمن زعم أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب .
الوجه الثالث ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات وما لم يكن فوجد كما ورد .
الرابع ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الداثرة ، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك ، فيورده على وجهه ويأتي به على نصه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب .
قال فهذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها . ومن الوجوه في إعجازه غير ذلك أي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها ، فما فعلوا ولا قدروا على ذلك ، كقوله لليهود
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ
« 1 » أبدا فما تمناه أحد منهم . وهذا الوجه داخل في الوجه الثالث . ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته ، وقد أسلم جماعة عند سماع آيات منه ،
هامش
( 1 ) . البقرة / 94 و 95 .