خاتمة
أورد بعضهم سؤالا وهو أنه هل للمحكم مزية على المتشابه أو لا ؟ فإن قلتم بالثاني فهو خلاف الإجماع ، أو بالأول فقد نقضتم أصلكم في أن جميع كلام اللّه سبحانه وتعالى سواء وأنه منزل بالحكمة .
وأجاب أبو عبد اللّه البكرآباذي بأن المحكم كالمتشابه من وجه ، ويخالفه من وجه فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع ، وأنه لا يختار القبيح ، ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد . فمن سمعه أمكنه أن يستدل به في الحال ، والمتشابه يحتاج إلى فكرة ونظر ليحمله على الوجه المطابق ، ولأن المحكم أصل والعلم بالأصل أسبق ، ولأن المحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا .
وقال بعضهم إن قيل ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده به البيان والهدى ، قلت إن كان مما يمكن علمه فله فوائد : منها الحث للعلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه ، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب ؛ ومنها ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات ، إذ لو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل ونظر ، لاستوت منازل الخلق ولم يظهر فضل العالم على غيره .
وإن كان مما لا يمكن علمه فله فوائد : منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوقف فيه والتفويض والتسليم والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ وإن لم يجز العمل بما فيه وإقامة الحجة عليهم ، لأنه لما نزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم وأفهامهم ، دل على أنه نزل من عند اللّه وأنه الذي أعجزهم عن الوقوف على معناه .
وقال الإمام فخر الدين : من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه ، فالجبري متمسك بآيات