تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقنع في رسم مصاحف الأمصار ويليه كتاب النقط — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
فإن قال قائل : فإذ قد أوضحت ما سئلت عنه من تأويل هذين الخبرين فعرّفنا بالسبب الذي دعا عثمان رضى اللّه عنه إلى جمع القرآن في المصاحف وقد كان مجموعا في الصحف على ما رويته لنا في حديث زيد بن ثابت المتقدم قلت : السبب في ذلك بيّن ، فذلك الخبر على قول بعض العلماء وهو أن أبا بكر رضى اللّه عنه كان قد جمعه أوّلا على السبعة الأحرف التي أذن اللّه عز وجل للأمّة في التلاوة بها ولم يخص حرفا بعينه ، فلما كان زمان عثمان ووقع الاختلاف بين أهل العراق وأهل الشام في القراءة وأعلمه حذيفة بذلك رأى هو ومن بالحضرة من الصحابة أن يجمع الناس على حرف واحد من تلك الأحرف وأن يسقط ما سواه فيكون ذلك مما يرتفع به الاختلاف ويوجب الانفاق إذ كانت الأمة لم تؤمر بحفظ الأحرف السبعة وإنما خيّرت في أيّها شاءت لزمته وأجزأها كتخييرها في كفارة اليمين باللّه بين الإطعام والكسوة والعتق لا أن يجمع ذلك كله فكذلك السبعة الأحرف . وقيل إنما جمع الصحف في مصحف واحد لما في ذلك من حياطة القرآن وصيانته وجعل المصاحف المختلفة مصحفا واحدا متّفقا عليه وأسقط ما لا يصح من القراءات ولا يثبت من اللغات وذلك من مناقبه وفضائله رضى اللّه عنه . فإن قيل : لم جعل عثمان مع زيد غيره هلّا أفرده بذلك كما فعل أبو بكر رضى اللّه عنه ؟ قلت : إنما فعل ذلك حين بلغه اختلاف الناس في القراءة لكي يحصل القرآن مجموعا على لغة قريش خاصة إذ لغتها أفصح اللغات وأيسرها وهي لغة النبي صلّى اللّه عليه وسلم والتي جمع عليها عند الاختيار للغات والتمييز للقراءات فجعل عثمان مع زيد النفر القرشيين لئلا يكون شئ من القرآن مرسوما على غير لغتهم ، ومن الدليل على أن ذلك كان كذلك ما في الخبر