الحركة والانفعال ، تمشي وتمشي على استحياء ، ثم ما أجمله من تعبير دال على خير ما في الفتيات من جمال هو جمال الخفر والحياء . جاءته
قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
، وهل ينتظر موسى حتى يجيب إنه عجل لأنه في حاجة إلى هذا الأجر وهو الغريب الفقير وإذا فلتطو الإجابة وليطو معها الطريق وليلق موسى الشيخ وليقص عليه القصص وهل يفعل غير هذا الغريب الطريد .
ويفطن الشيخ إلى ما بنفس الفتى المطلوب للثأر فيقف منه موقف الشهم الكريم ويلقي إليه تلك العبارة التي ترد عليه الهدوء والطمأنينة وتشعره بأنه في كنف شجاع كريم .
لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
. لا تخف هذه ينطق بها الرجل القوي الواثق حين يشمل الناس بعطفه وحنانه ، ونجوت هذه التي توحي إلى السامع باطمئنان النفس وراحة القلب وهدوء الخاطر ومن القوم الظالمين تلك التي تدفع عنه القلق النفسي وتأنيب الضمير .
وتبدأ مرحلة أخرى تصوّر الإعجاب بالفتى والاحتيال على لقاء الحبيب إذ تتقدم إحداهما إلى أبيها وتطلب إليه أن يستأجره ومن يستأجر ؟ إن خير من يستأجر القوي الأمين . وكأن الشيخ قد فطن إلى المراد فأسرع إلى تحقيق رغبة الفتاة وأقدم على الفتى بهذا القول المؤكّد الذي يقطع على المتردّد كل سبيل
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ . . .
ويستجيب الفتى وهو الشريد المقتفى ، وهو القاتل المستجير ويجيب بتلك الجملة التي تشعرنا باستسلامه وكأنه الطفل الصغير أمام الشيخ الكبير .
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
ويتم الاتفاق ويشهدان اللّه لأنه على ما يقولان وكيل .
وكان القرآن يعتمد في أحيان كثيرة على تصوير الحركات لتدل بدورها على الانفعالات قوة وضعفا أو عنفا ولينا ، وذلك من أمثال قوله تعالى :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
« 1 » وقوله :
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ
« 2 » وقوله :
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية 9 .
( 2 ) سورة الذاريات ، الآية 29 .