عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
« 1 » .
فنحن نلحظ في الجزء الأول وهو الخاص بورود موسى ماء مدين استعمال الفعلين المضارعين
يَسْقُونَ
و
تَذُودانِ
للدلالة على الحركة ولتصوير الأحداث حتى لكأنها حاضرة مشاهدة ، وليس ذلك إلا لأنهما الفعلان الدالان في هذا الجزء من الآية على ما سيقع وكأنهما ينبّهاننا إلى أن هذه الأحداث هي التي تهم موسى ولقد كانت هي التي استثارته فعلا ، فالناس يسقون وهاتان تذودان ولذا تقدّم إلى الفتاتين قائلا
ما خَطْبُكُما
وأظنك تلحظ معي ما في هذا اللفظ من عنف وجزالة وما فيه من دلالة على تلك الخواطر التي ألمّت بذهن موسى ، وإني لأحسّ منه الغضب على أولئك الذين يسبقون الفتاتين إلى السقيا .
وتنطق الفتاتان بهذه الجملة التي تدل على ما في الأنثى من ضعف وحياء يدفعانها إلى التخلّف في مثل هذه المواقف التي يكثر فيها التزاحم ويختلط فيها النساء بالرجال
لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
وبهذه الجملة التي تستثير الرحمة وتستمطر الحنان
وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
. إنها لألفاظ سهلة لينة تداعب رقّتها الآذان والقلوب وإنها الجمل التي تنطق بها الأنثى والأنثى ليس غير ما في ذلك شك أو جدال .
ويأتي جزء آخر دال على الحركات الخاطفة السريعة التي يأتي بها الإنسان ليصل إلى ما وراءها
فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ
ونلحظ موسى هنا وفي هذا الظل متراخيا منهوك القوى مستسلما ضارعا
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
. وتمشي الجملة مع هذه الضراعة ويطل الشعور الديني من وراء النداء ومن التصريح بالفقر والحاجة إلى الخير أمام الغني الكبير .
على أن المقام بموسى لن يطول
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ
ألا ما أعذب هذه الجملة وما أخف وقعها على الأسماع والقلوب ، وما أقدرها على تصوير
هامش
( 1 ) سورة القصص ، الآيات 23 - 28 .