على صدق رسالته وصحة نبوّته ، وذلك هو الأمر الذي سنتحدث عنه في الفقرة التالية عند حديثنا عن المعجزات ، غير أني قبل أن أبدأ الحديث عنها أريد أن أذكر شيئا هو الحديث عن تلك العقيدة التي كانت شائعة معروفة في الجزيرة العربية قبل مبعث الرسول عليه السلام .
قلنا إن التديّن يرمي إلى جلب النفع ودفع الضرر من الآلهة ، حتى ولو كانت أوثانا ، ونقول إن الأمر الذي ينبني على هذا هو أن الشعب الذي يمن اللّه عليه بالفضل ، فيختار واحدا من أبنائه ليكون الرسول ، هو الشعب الذي يعتقد بنفسه الفضل ، وأنه محل الرعاية والعناية .
ولقد كان الشعب الإسرائيلي يؤمن بهذا ، ويذيع ذلك في الجزيرة العربية ، ولقد كان لكل ذلك أثره في حياة اليهود في الجزيرة في حياة النبي والإسلام ، وصوّر القرآن عقيدتهم تلك حين ذهبوا إلى أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، وحين قال موسى لهم
يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
« 1 » .
ولكن القرآن حارب هذه العقيدة ، ومضى إلى العكس منها ، وذهب إلى أن الرسالة لا تخص شعبا دون شعب ، ولا أمة دون أمة ، وأن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء اللّه ذو الفضل العظيم . قال تعالى
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
« 2 » وقال تعالى
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
« 3 » .
فالقرآن كما ترى يجعل الرسالة ظاهرة دينية واجتماعية لا تخص أمة دون أمة ولا يستأثر بها شعب دون آخر وهذا هو الأمر الذي شرحناه بتفصيل عند حديثنا عن المعاني الاجتماعية .
ونبدأ الآن بالحديث عن المعجزات فنقول :
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية 20 .
( 2 ) سورة فاطر ، الآية 24 .
( 3 ) سورة يونس ، الآية 47 .