سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
« 1 » .
وهنا شيء لا بد من التنبيه عليه ، هو أن هذه الأرواح الخفية كانت تختلط في ذهن العربي فلا يعرفها إلا بآثارها ، وكان يعتقد أن الملائكة تأتي بالخير وأن الشياطين تأتي بما يسوء ، ومن هنا كانوا يعتقدون أن الشياطين هي التي تنزل على محمد ، وإلا لما كان منه خروج على الجماعة ولما كان منه سبب للآلهة .
والواضح من القرآن أن الشياطين كانت تسمع أخبار السماء ، وأنها منعت من أجل النبي عليه الصلاة والسلام . وسبق أن شرحنا هذه العقيدة في فصل ( المعاني التاريخية ) ، وهو الفصل الأول من هذا الباب .
ويبقى بعد ذلك لون أخير ، هو إلقاء المعاني المرادة في ذهن الرسول ، وذلك هو الأمر الذي حدث مع كل الرسل والأنبياء ، حدث لنوح وإبراهيم وحدث لهود وصالح وشعيب ، وحدث لغيرهم من الرسل عليهم الصلاة والسلام .
ويحمل القرآن معظم هذه الحالات في قوله تعالى
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
« 2 » .
وهنا نعود مرة ثانية إلى الحديث عن الأرواح الخفية ، التي تنقل إلى الناس أخبار السماء . إذ ما العمل ما دام هؤلاء القوم يسلمون بوقوف الشياطين على تلك الأخبار .
هنا يبرز أمران :
الأول : أن الشياطين منعت بعد النبي ، ومن الجائز أن تكون قد منعت في حياة كل واحد من الرسل والأنبياء ، وهذا ما يقول به بعض المفسّرين ، وعلى رأسهم الرازي .
الثاني : أن الرسول الذي يأتيه الوحي وتنزل عليه الملائكة لا بد له من معجزة تدل
هامش
( 1 ) سورة الذاريات ، الآيات 24 - 30 .
( 2 ) سورة الشورى ، الآية 51 .