ولم يزل في خراسان منهم طائفة ، ولهم مشايخ يمهدون أساسهم ، ويعرفونهم شروط حالهم . وقد رأينا في العراق من يسلك هذا المسلك ، ولكن لم يشتهر بهذا الاسم ، وقلما يتداول ألسنة أهل العراق هذا الاسم .
فقال : لأني إن حضرت يظهر على وجد ، ولا أوثر أن يعلم أحد حالي .
وقيل : أن أحمد بن أبي الحواري قال لأبي سليمان الداراني : إني إذا كنت في الخلوة أجد لمعاملتي لذة لا أجدها بين الناس ، فقال له : إنك إذا لضعيف .
فالملامتى وإن كان متمسكا بعروة الإخلاص ، مستفرشا بساط الصدق ، ولكن بقي عليه بقية رؤية الخلق ، وما أحسنها من بقية تحقق الإخلاص والصدق .
والصوفي صفا من هذه البقية في طرفي العمل والترك للخلق ، وعزلهم بالكلية ، ورآهم بعين الفناء والزوال ، ولاح له ناصية التوحيد ، وعين سر قوله :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 88 ) « 1 » .
كما قال بعضهم في بعض غلباته : ليس في الدارين غير اللّه .
وقد يكون إخفاء الملامتى الحال على وجهين :
أحد الوجهين لتحقيق الإخلاص والصدق .
والوجه الآخر وهو الأتم لستر الحال عن غيره ، بنوع غيره ، فإن من خلا بمحبوبه يكره اطلاع الغير عليه ، بل يبلغ في صدق المحبة أن يكره اطلاع أحد على حبه لمحبوبه .
هامش
( 1 ) سورة القصص آية : 88 .