فإذا عرف هذا المعنى في التصوف ، من حصول الأخلاق وتبديلها واعتبر حقيقته ، يعلم أن التصوف فوق الزهد وفوق الفقر .
وقيل : نهاية الفقر مع شرفه هو بداية التصوف ، وأهل الشام لا يفرقون بين التصوف والفقر ، يقولون قال اللّه تعالى :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
« 1 » . هذا وصف الصوفية ، واللّه تعالى سماهم فقراء .
وسأوضح معنى يفترق الحال به بين التصوف والفقر نقول : الفقير في فقره متمسك به ، متحقق بفضله ، يؤثره على الغنى ، متطلع إلى ما تحقق من العوض عند اللّه ، حيث يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام »
فكلما لاحظ العوض الباقي ، أمسك عن الحاصل الفاني ، وعانق الفقر ، وعانق الفقر والقلة ، وخشي زوال الفقر لفوات الفضيلة والعوض ، وهذا عين الاعتلال في طريق الصوفية ، لأنه تطلع إلى الأعواض وترك الإجهاد ، والصوفي يترك الأشياء لا للأعواض الموعودة ، بل للأحوال الموجودة ، فإنه ابن وقته .
وأيضا ترك الفقير الحظ العاجل واغتنامه الفقر اختيار منه وإرادة ، والاختيار والإرادة علة في حال الصوفي ، لأن الصوفي صار قائما في الأشياء بإرادة اللّه تعالى لا بإرادة نفسه ، فلا يرى فضيلة في صورة فقر ولا في صورة غنى ، وإنما يرى الفضيلة فيما يوقفه الحق فيه ، ويدخله عليه ، ويعلم الإذن من اللّه تعالى ، في الدخول في الشئ ، وقد يدخل في صورة سعة مباينة للفقر بإذن من اللّه تعالى ، ويرى الفضيلة حينئذ في السعة لمكان الإذن من اللّه فيه ، ولا يفسح في السعة والدخول فيها الصادقين إلا بعد إحكامهم علم الإذن ، وفي هذا مزلة لأقدام ، وباب دعوى للمدعين . وما من حال يتحقق به صاحب الحال إلا وقد يحكية راكب المحال ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيى عن بينة .
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية : 273 .