أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول ، وأبلغ في العذر « 1 » .
سادسا : النزعة العلمية .
نهج البلاغة موسوعة متكاملة فيها كل العلوم . يجد فيها الباحث حتى أدق العلوم ، كعلم الكلام والفلسفة والفضاء وعلم وظائف الأعضاء وما شابه ذلك .
والبليغ هو الذي يتمكن من عرض هذه العلوم بأسلوب أدبي رقيق لأن هذه العلوم في طبيعتها جافة ، وأصعب شيء أن تعرض بطريقة أدبية مؤثرة ، لكن لا يصعب ذلك على أمير المؤمنين عليه السّلام الذي قال عن نفسه : « نحن أمراء الكلام . . » وهذا ما نجده حقيقة ماثلة في خطبه وكلماته في النهج حيث سرد لنا أدق المسائل العلمية بطريقة بليغة تبهج النفس وتريح العقل .
فيقول عن بدائع خلق الله للإنسان : « اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم ويتكلم بلحم ويسمع بعظم ويتنفس من خرم » .
ويقدم لنا النصيحة الطبية بأسلوب بليغ رائع : « أمشي بدائك ما مشى بك » .
وفي مجال الوقاية يقول : « توقوا البرد في أوله وتلقوه في آخره فإنه يفعل في الأبدان كفعله بالأشجار أوله يحرق وآخره يورق » .
ثم يذكر لنا حقائق علمية في مجالات مختلفة من العلوم البشرية : « من لان عوده كثفت أغصانه » .
ولعل أدق كل العلوم هي العلوم المرتبطة بالمعارف الإلهية ، وهذه أيضا استخدم فيها أمير المؤمنين عليه السّلام البلاغة . يقول عن معرفة الله :
« عرفت الله بفسخ العزائم وحل العقود ونقض الهمم » ، هكذا وبهذه البساطة التي يستطيع أن يدركها حتى البسطاء من الناس .
وهكذا فالإمام يعرض أعقد العلوم بأسلوب جميل شيّق ، فيصف لنا التوحيد :
« ما وحده من كيفه ، ولا حقيقته أصاب من مثّله ولا إياه عنى من شبهّه ولا صمده من أشار إليه وتوهّمه ، كلّ معروف بنفسه مصنوع ، وكلّ قائم في سواه معلول ، فاعل
هامش
( 1 ) الخطب : 197 .