الحلقات الموجية .
لنقف عند هذا النص : « فقمت بالأمر حين فشلوا وتطلعت حين تقبعوا ، ونطقت حين تعتعوا ، ومضيت بنور الله حين وقفوا ، وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم فوتا ، فطرت بعنانها واستبددت برهانها كالجبل لا تحركه القواصف ولا تزيله العواصف ، لم يكن لأحد فيّ مهمز ، ولا لقائل فيّ مغمز » « 1 » .
كأننا أمام صورة متحركة متفجرة بالحيوية والحركية ، وقوف في مقابله خنوع تسمع تعتعته ، هكذا تشارك الحركة التي ترسمها الكلمات في إضافة أبعاد للمعنى المقصود ، وهذه هي قمة البلاغة عندما يصبح للكلمات أرجل تتحرك فتحس بحركتها ، بقيامها وقعودها وسجودها .
ولنقف وقفة تأمل عند عبارته الخالدة : « وأنتم والساعة في قرن » « 2 » .
تصوير رائع لحالة الحركة القلقة القائمة في قمة القرن ، فسرعان ما يتساقط الموجود عليه لأنه مكان قلق متحرك ، . . وأنتم والساعة في قرن . . أيّ بليغ هذا الذي استطاع أن يقرّب لنا يوم الحساب بهذا الشكل الرائع . . إنها ليست الكلمات التي تتحدث والتي تروي لنا قصة الحياة ، بل الصور هي التي تنطق ، صور صنعتها تلك الكلمات . وتلمس أيضا دوران الدنيا بالإنسان وقذفها له هنا وهناك من هذه الكلمات :
« هيهات من وطئ دحضك زلق ومن ركب لججك غرق ومن أزوّر عن حبالك وفق » « 3 » فهذا المتعلق بالدنيا الذي جعل كل همه أن يصبوا إليها ، مرة نشاهده ينزلق وأخرى نراه يغرق مثله مثل الذي نزل إلى طراد فانزلقت رجله عندما وطئته فيأخذه الطراد ليرمي به إلى عرض البحر . . هذه الصور يمكننا أن نتخيلها من تلك الكلمات .
رابعا : الحيوية :
كل شيء في أدب نهج البلاغة هو حيّ ينبض بالحياة يتدفق الدم في شرايينه ،
هامش
( 1 ) الخطب : 37 .
( 2 ) الحكم : 232 .
( 3 ) الرسائل : 45 .