ويمكن ملاحظة الأبيض والأسود في مجتمع واحد ، في بلد واحد ، في بيت واحد ، وبين أخ وأخ وفي لحظة واحدة يتغير موقف الإمام من تأنيب لصاحب تلك الدار الوسيعة الذي أصبح همه الدنيا ، ومن تأنيب لمن ترك الدنيا وترهبن . هكذا كان حال المجتمع في عهد الإمام فكان عليه أن يخاطب المجتمع بقسميه الذي فرّط أو أفرط في وقت واحد . فقال عليه السّلام : هلك فيّ رجلان : محبّ غال ، ومبغض قال « 1 » .
وقد سمع رجلا من الخوارج يتهجد ويقرأ فقال عليه السّلام : نوم على يقين خير من صلاة في شك « 2 » .
وقال عن الدنيا والآخرة : « إنّ الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان وسبيلان مختلفان ، فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها ، وهما بمنزلة المشرق والمغرب « 3 » .
وأصبح هذا التضاد هو ديدن المجتمع وديدن كل فرد ، تضاد حتى في حياته ، وقد انعكس ذلك في كلام أمير المؤمنين لأنه السبيل لإيقاظه وإنقاذه من الصراع الداخلي وذلك بتذكيره وتوعيته بهذا الصراع . فما أروع قوله عليه السّلام :
إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى « 4 » .
فلا نهاية لهذا الصراع إلا الموت حيث بمجيئه سينتهي كل شيء .
ومن صور التضاد التي عزف عليها أمير المؤمنين عليه السّلام التكبر : ما لابن آدم والفخر : أوله نطفة وآخره جيفة لا يرزق نفسه ، ولا يدفع حتفه . .
ومن صور التضاد ؛ الاعتماد على الحسب وترك العمل بحجة المكانة الاجتماعية . . ذكرهم أمير المؤمنين : من أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه « 5 » .
ومن صوره أيضا : « ما أضمر أحد شيئا إلا وظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه » « 6 » .
هامش
( 1 ) باب الحكم : 113 .
( 2 ) باب الحكم : 93 .
( 3 ) باب الخطب : 100 .
( 4 ) باب الحكم : 28 .
( 5 ) باب الحكم : 22 .
( 6 ) باب الحكم : 25 .