والانحرافات الفكرية في الأمة .
كما وأنّ كثرة الأعداء وفتح المواجهة الكلامية معهم بحاجة إلى خطاب يرتكز على المحاججة والأدلة القاطعة ، وهذه من معالم البلاغة عند أمير المؤمنين ومن خصائصها التي لا يمكن استيعابها بالمنهج القديم ، المنهج الذي يتوخى تطبيق القواعد البلاغية على النصوص فتجد الشدّة في أعلى صورها في خطابه السياسي مع الأعداء لكنها شدة يشوبها جمال الكلمة موشحة برداء جميل من البلاغة ، فقد وصف المحكمين قائلا :
جفاة طغام أقزام ، جمعوا من كلّ أوب وتلقطوا من كلّ شوب .
ويلحظ في بلاغة الإمام استخدامه للعبارات المضادة لتكشف عن مدى ما بلغه المجتمع من تناقض وصراعات بحيث يصبح الناس فيه بين أسود وأبيض وليس بينهما لون آخر .
فقد دخل الإمام عليه السّلام على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده فلما رأى سعة داره قال :
ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ؟ أنت إليها في الآخرة كنت أحوج وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف وتصل فيها الرّحم وتطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة .
فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد قال : وماله ؟ قال :
لبس العباءة وتخلّى من الدنيا . قال : عليّ به فلما جاء قال :
يا عديّ نفسه لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ، أترى الله أحلّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها ؟ أنت أهون على الله من ذلك .
قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك قال :
ويحك إنّي لست كأنت ، إن الله تعالى فرض على أئمة الحقّ أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره « 1 » .
هامش
( 1 ) باب الخطب 200 .