قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شئ ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى « 1 » فقرأها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى بلغ قوله أَفَرَءيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَواةَ الثَّالِثَةَ الْاخْرَى « 2 » ألقى الشيطان على لسانه ( تلك العرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ) فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قراءته فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة وأبى أحيحة سعيد بن العاصي فإنهما أخذا حفنة من التراب من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما أمسى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أتاه جبريل ( عليه السلام ) فقال ماذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله وقلت ما لم أقل لك ؟ ! فحزن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً عظيماً حتى نزل قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ الآية . هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين ، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليها بالقرآن والسنة والمعقول ( « 3 » .
هامش
( 1 ) النجم : 1 .
( 2 ) ( النجم : 19 ، 20 ) .
( 3 ) التفسير الكبير ، الإمام الفخر الرازي : ج 23 ، ص 49 ، ط 3 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1999 م .