الشأن الظاهر من شؤون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ ، فالتاريخ لا يرتاب أنّ العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأُمم المتقدّمة عليهم والمتأخّرة ، ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق .
وقد تحدّاهم القرآن بكلّ تحدٍّ ممكن ، ممّا يثير الحميّة ويوقد نار الأنفة والعصبية ، وحالهم في الغرور ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير
في صناعتهم ممّا لا يرتاب فيه . وقد طالت مدّة التحدّى وتمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلّا بالتجافى ، ولم يزدهم إلّا العجز ، ولم يكن منهم إلّا الاستخفاء والفرار ، كما قال تعالى : أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( هود : 5 ) .
وقد مضى من القرون والأحقاب ما يزيد على أربعة عشر قرناً ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه بشئ إلّا أخزى نفسه وافتضح في أمره .
التحدّى بعدم الاختلاف فيه
قال تعالى : أَ فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) .
من الضروري أنّ هذه النشأة هي نشأة المادّة ، والقانون الحاكم