فقد ظهر أنّ الجمع بمعناه الذي هو محلّ الكلام بعيد عن مفاد جميع الروايات بمراحل ، وأنّ المتّصف به لا يكون غير النبىّ صلى الله عليه وآله بوجه ، فالروايات وكذا التواريخ الدالّة على تحقّق الجمع من أشخاص في زمن النبىّ صلى الله عليه وآله أجنبىّ عن المقام .
أمّا الدور الذي قام به عثمان في جمع
القرآن ، فليس هو بمعنى أنّه جمع الآيات والسور في مصحف ، بل بمعنى جمع المسلمين على قراءة إمام واحد ، وأحرق المصاحف الأُخرى التي تخالف ذلك المصحف ، وكتب إلى البلدان أن يحرقوا ما عندهم منها ، ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة . وهذا ما تقدّم بيانه سابقاً ، وصرّح به جملة من الأعلام .
قال الحارث المحاسبي : « المشهور عند الناس أنّ جامع القرآن عثمان ، وليس كذلك ، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين مَن شهده من المهاجرين والأنصار ، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات ، فأمّا قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي نزل بها
القرآن » « 1 » .
وهذا الذي قام به عثمان من جمع المسلمين على قراءة
هامش
( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 214 .