هَدَى ( طه : 50 ) .
إذن فوق هذه الأسباب المتزاحمة والإرادات المتغائرة التي لا تزال تتنازع في الوجود ، سبب واحد وإرادة واحدة حاكمة لا يقع إلّا ما يريده ، فهو الذي يحجب هذا السبب بذاك السبب ويغيّر حكم هذه الإرادة ويقيّد
إطلاق تأثير كلّ شئ بغيره .
ويمكن تقريب حقيقة هذا السبب الفوقاني الذي يؤدّى إلى أن تتفاوت الأسباب جميعاً على ما بينها من التزاحم والتضادّ في تحصيل الغرض النهائي الذي خُلق كلّ شئ لأجله ، من خلال مثال ، فإنّ الذي يريد قطع طريق لغاية معيّنة فيأخذ في طيّه ، وبينما هو يطوى الطريق يقف أحياناً ليستريح زماناً ، فعلّة الوقوف ربما تنازع علّة الطىّ والحركة وتوقفها عن العمل ، وإرادة الحركة غير إرادة الوقوف ، لكن هناك إرادة أخرى فوقهما هي التي تحكم الإرادتين جميعاً ، وتنظّم العمل على ما تميل إليه بتقديم هذه تارةً وتلك أخرى ، والإرادتان أعنى سببي الحركة والسكون وإن كانت كلّ منهما تعمل لنفسها وعلى حدتها وتنازع صاحبتها ، لكنّهما جميعاً متّفقتان في طاعة الإرادة التي هي
فوقهما ، ومتعاضدتان في إجراء ما يوجبه السبب الذي هو أعلى منهما وأسمى .
في ضوء هذا التحليل فالإرادتان المتزاحمتان تنشآن من مقام الكرسي ، لذا فهو مقام التفصيل في الأسباب . أمّا تلك الإرادة السامية
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 39
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٩