تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
وقد يتوهم البعض أن هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن الكريم للسنن التاريخية ، يبعد القرآن عن إطار التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ ، ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ ، الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد أغسطين وغيره من المفكرين المسيحيين اللاهوتيين . لكن الحقيقة ، أن هناك فرقا أساسيا بين الاتجاه القرآني في ربط سنن التاريخ بعالم الغيب ، وبين ما يسمى بالتفسير الإلهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت . وحاصل هذا الفرق : هو أن الاتجاه اللاهوتي ، للتفسير الإلهي للتاريخ ، يتناول الحادثة نفسها ، ويربط هذه الحادثة باللّه سبحانه قاطعا صلتها مع بقية الحوادث ، فهو يطرح الصلة مع اللّه بديلا عن صلة الحادثة مع بقية الحوادث التي تزخر بها الساحة التاريخية ، والتي تمثل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة ، بينما القرآن الكريم ، لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات ، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء ، ولا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن أوجه الانطباق والعلاقات والأسباب والمسببات على هذه الساحة التاريخية ، بل إنه يربط السنة التاريخية باللّه ، ويربط أوجه العلاقات والارتباطات ، فهو يقرر أولا : وجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية ، الا أن هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية ، هي في الحقيقة تعبير عن حكمة اللّه سبحانه وتعالى ، وحسن تقديره ، وبنائه التكويني للساحة التاريخية . إذا أردنا أن نستعين بمثال لتوضيح الفرق بين هذين الاتجاهين من الظواهر الطبيعية ، نستطيع أن نستخدم هذا المثال : قد يأتي انسان فيفسر ظاهرة المطر ، التي هي ظاهرة طبيعية فيقول بأن المطر نزل بإرادة من اللّه سبحانه ، ويجعل هذه الإرادة بديلا عن الأسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر ، فكأن المطر حادثة لا علاقة لها ولا نسب ، وانما حادثة مفردة ترتبط مباشرة باللّه بمعزل عن تيار الحوادث ، هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر ، لكن إذا جاء شخص وقال بأن ظاهرة المطر لها أسبابها وعلاقاتها وانها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء مثلا ، الماء يتبخر فيتحول